في مشهد تختصر فيه السياسة كثيراً من مفارقاتها، وجد حزب الله نفسه، بعد سنوات من القتال الدموي في سوريا، ممثلاً بوزير في الحكومة اللبنانية يصافح مسؤولين في السلطة السورية الجديدة، التي كان يقاتلها الحزب ويصف فصائلها بالتنظيمات التكفيرية. فوزير العمل محمد حيدر، المحسوب على حزب الله، شارك في الوفد الوزاري اللبناني الذي زار دمشق، والتقى المسؤولين السوريين، في مشهد يعيد إلى الذاكرة سنوات الحرب التي خاضها الحزب دفاعاً عن نظام بشار الأسد، في مواجهة القوى التي تتولى الحكم في سوريا اليوم، بقيادة أحمد الشرع، المعروف سابقاً بـ “أبو محمد الجولاني”.
المفارقة هنا ليست في حصول اللقاء بحد ذاته، بل في التحوّل الذي يعكسه. فالحزب الذي خاض معارك دامية على الأراضي السورية، وساهم في حرب خلّفت دماراً هائلاً ومآسي إنسانية، يجد نفسه اليوم يتعامل مع السلطة التي كانت حتى الأمس القريب في موقع العدو. ما كان يُصوَّر على أنه معركة وجودية لا تقبل التسوية، أصبح اليوم قابلاً للمصافحة والتواصل والتفاوض، بمجرد أن تبدّلت موازين القوى وسقط النظام الذي قاتل الحزب من أجله.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: إذا كانت سوريا، بكل ما شهدته من حرب ودمار وعداء بين أطرافها، قد انتقلت إلى مرحلة التعامل مع واقع سياسي جديد، فلماذا يبقى لبنان أسير منطق الحرب المفتوحة؟ وإذا كان حزب الله قادراً على مدّ اليد إلى السلطة السورية الجديدة، رغم تاريخ المواجهة معها، فلماذا لا يكون وقف الحرب والذهاب إلى تسوية سياسية خياراً مطروحاً في لبنان أيضاً؟
فالحزب الذي خاض حرباً طويلة في سوريا، ثم عاد ليجد نفسه أمام سلطة جديدة يتعامل معها عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، لا يمكنه أن يتعامل مع السلام باعتباره تنازلاً محرّماً حين يتعلق الأمر بلبنان. ولا سيما أن اللبنانيين، وتحديداً أبناء الجنوب، يدفعون اليوم أثماناً باهظة للصراع، بين الدمار والتهجير وفقدان مقومات الحياة.
لقد تغيّرت سوريا، وسقط نظام الأسد، وتبدّلت موازين القوى التي راهن عليها حزب الله طويلاً. واليوم، يواجه الحزب في لبنان واقعاً عسكرياً وسياسياً مختلفاً أيضاً. وبين مصافحة دمشق واستمرار المواجهة جنوباً، تفرض المفارقة نفسها: إذا كانت التسويات ممكنة مع الخصوم السابقين، فلماذا يُراد للبنان أن يبقى الاستثناء، وأن يدفع شعبه ثمن حرب لا يملك وحده قرار إنهائها؟
-نعيم القصيفي

