كشفت معلومات خاصة لـ”إرم نيوز” أن نشر مقاتلين من لواء “فاطميون” الأفغاني في مناطق داخل إيران لم يعد مجرد إجراء أمني مؤقت فرضته الحرب، وإنما يأتي ضمن توجه لدى الحرس الثوري لإعادة توظيف جزء من التشكيلات التي قاتلت سابقاً في سوريا كقوة احتياط يمكن استخدامها في حماية الداخل، خاصةً في المناطق المضطربة أو عند اتساع المواجهة الداخلية.
وقال مصدر مطلع على الترتيبات الأمنية الإيرانية إن وجود “فاطميون” في سيستان وبلوشستان يتجاوز حماية المواقع إلى مهام ميدانية، وإن وضع بعض قواعد الباسيج تحت تصرف عناصره يرتبط بإعادة توزيع الأدوار والقوى البشرية تحسباً لأزمات أمنية أوسع.
وبحسب المصدر، فإن أحد السيناريوهات التي تؤخذ في الحسابات هو الحاجة إلى قوة مسلحة لا تعتمد بالكامل على الباسيج المحلي عند حدوث اضطرابات واسعة، خاصةً إذا تعرضت القوات الإيرانية للاستنزاف أو ظهرت حالات إحجام عن تنفيذ الأوامر في مواجهة السكان.
وتكتسب المعلومات أهمية إضافية بعد مقتل أربعة عناصر من “فاطميون”، في 11 سبتمبر/أيلول الجاري، بعدما تعرضت مركبتهم لإطلاق نار وأُحرقت في منطقة رودماهي قرب زاهدان.
وقالت منظمة “حال وش”، المعنية بأوضاع البلوش، إن العناصر كانوا متمركزين منذ أشهر في قاعدة بالمنطقة، وإن مئات من مقاتلي “فاطميون” انتشروا في زاهدان وميرجاوه وراسك وغشت وسراوان وزابل وسيب وسوران وتشابهار وكنارك وزرآباد وإيرانشهر. وأضافت أن الحرس سلّم عدداً من قواعد الباسيج المحلية في بعض المناطق إلى عناصر التشكيل.
مسار بدأ قبل الحرب
لكن العودة إلى السنوات الأربع الماضية تظهر أن وصول “فاطميون” إلى قواعد الباسيج لم يبدأ مع الحرب الحالية. فخلال احتجاجات 2022، ظهرت تقارير عن الاستعانة بتشكيلات موالية لطهران من خارج الأجهزة الأمنية التقليدية، بالتزامن مع ضغوط كبيرة تعرض لها الحرس والباسيج والشرطة في مواجهة الاحتجاجات.
ووثقت منظمة العفو الدولية في ذلك الوقت تعبئة الحرس والباسيج وقوات إنفاذ القانون ووحدات مكافحة الشغب وعناصر بملابس مدنية لقمع المظاهرات واستخدام القوة المميتة ضد محتجين.
وفي الفترة نفسها ظهرت وثيقة مسربة، نُسبت إلى قائد شرطة محافظة فارس، يطلب فيها من جهاز استخبارات الحرس الثوري نشر عناصر “فاطميون” بأسرع وقت ممكن. وكانت تلك واحدة من أولى الإشارات على احتمال نقل التشكيل من وظيفته الأصلية في ساحات النفوذ الإيراني خارج الحدود إلى وظيفة مرتبطة بأمن النظام نفسه.
من تشابهار إلى زاهدان
وفي 2024 ظهر خيط آخر في المنطقة التي ستصبح لاحقاً مركز الانتشار الأبرز. فقد أفادت “حال وش” بأن شركة “آرشين كوه”، المرتبطة بمنظمة الجو فضاء التابعة للحرس الثوري والعاملة في مشاريع طرق وجدران خرسانية بمنطقة بريس في تشابهار، وظفت مقاتلين أفغاناً من “فاطميون”.
ووفق التقرير، كان أحد عناصر التشكيل ويدعى “حكمت” يشرف على عشرات العمال الأفغان، قبل أن يأمر مسؤولون في الحرس بنقل عدد منهم من تشابهار إلى منطقة نغور عقب الكشف عن وجودهم.
وفي مايو/أيار 2025، ظهرت تقارير جديدة عن نشر عناصر “فاطميون” في سيستان وبلوشستان مصدرها جهات معارضة للنظام الإيراني، لكن تسلسل المعلومات منذ 2022، ثم ظهور عناصر التشكيل في تشابهار، وصولاً إلى مقتل أربعة منهم خلال دورية قرب زاهدان هذا الشهر، تمنح فرضية وجود دور داخلي منظم للتشكيل قرائن متراكمة، من دون أن يحسم حجم هذا الدور أو سلسلة قيادته.
من يحمي النظام؟
في هذا السياق، يرى الباحث محمد صالح الفتيح أن المصدر الرئيس للمعلومات حول استخدام “فاطميون” في الداخل هو تقارير المعارضة الإيرانية، لكنه يعتبر أن تواترها واكتسابها قرائن ميدانية جديدة يمنحها وزناً أكبر.
ويشير الفتيح في تعليق لـ “إرم نيوز” إلى أن المسار يمتد من الوثيقة المسربة عام 2022، مروراً بتوظيف عناصر من التشكيل لدى شركات مرتبطة بالحرس في تشابهار عام 2024، وتقارير الانتشار في سيستان وبلوشستان منذ مايو 2025، وصولاً إلى مقتل عناصر “فاطميون” في رودماهي هذا الشهر.
لكن الدلالة الأهم، وفق الفتيح، تتعلق بالسؤال عن سبب حاجة النظام إلى هذه القوات أصلاً. ويقول إن الأزمة المقبلة المحتملة قد تكون من النوع الذي “لن ينفع فيه الباسيج”، خصوصاً إذا تجنب بعض عناصره الدخول في مواجهة واسعة مع السكان، كما ظهرت، بحسب تقديره، مؤشرات خلال أواخر 2025 ومطلع 2026.
ويضع الفتيح أمام طهران أيضاً تجربة انهيار الجيش السوري السابق، بما في ذلك وحدات النخبة والحرس الجمهوري، معتبراً أن النظام الإيراني لا يستطيع تجاهل احتمال تعرض المؤسسات المحلية في لحظة أزمة كبرى لمشكلة التماسك أو الإرادة القتالية.
جيش لا يعرف الشارع
وفقا للمصدر، تظهر إحدى الميزات التي قد يراها الحرس في “فاطميون” بأن المقاتل الأفغاني لا ينتمي إلى المدينة الإيرانية التي يُنشر فيها، ولا تربطه بالسكان علاقات العائلة والجيرة والمجتمع التي قد تربط عنصر الباسيج المحلي بالبيئة المحيطة به. كما أن جزءاً مهماً من عناصر التشكيل يمتلك خبرة قتالية اكتسبها خلال سنوات الحرب السورية.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد وصفت “فاطميون” عند فرض عقوبات عليه عام 2019 بأنه تشكيل تقوده قوة القدس، وقالت إن عناصره جُندوا بصورة رئيسة من المهاجرين واللاجئين الأفغان في إيران وأُرسلوا للقتال في سوريا.
وتأتي هذه التحركات في وقت يعمل فيه الحرس نفسه على توسيع احتياطه البشري الداخلي. ففي 18 سبتمبر/أيلول، شهدت طهران تعبئة ضخمة شارك فيها نحو 313 ألفاً، فيما تحدث قائد الباسيج عن خطة لتوسيع النموذج وصولاً إلى مليون شخص. ويرى معهد دراسة الحرب أن ذلك يعكس محاولة لبناء احتياط أمني ودفاعي أوسع يمكن تعبئته خلال الاضطرابات.
وبذلك لا يبدو أن “فاطميون” يحل محل الباسيج بقدر ما يشكل طبقة إضافية في منظومة أمنية يعاد توسيعها استعداداً لسيناريوهات أكثر خطورة. فالتشكيل الذي صنعت طهران جزءاً كبيراً من قوته البشرية داخل إيران ثم أرسلته إلى دمشق وحلب وتدمر ودير الزور لحماية حليفها السوري، يعود اليوم في الاتجاه المعاكس، من دمشق وريفها إلى قواعد الباسيج في زاهدان.
-إرم نيوز

