أمل شموني
نداء الوطن
حققت الولايات المتحدة خرقًا دبلوماسيًا متواضعًا في لبنان تمثّل في إفراج إسرائيل عن خمسة معتقلين مدنيين لبنانيين وسوريين عقب وساطة شارك فيها السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى. غير أن الأسبوع نفسه كشف عن فشل ذي تداعيات أعمق يلوح في الأفق خلف “صيغة الإطار” التي تدعمها الولايات المتحدة للعلاقة بين لبنان وإسرائيل، إذ لا يزال “حزب الله” يرفض مبدأ أن تتولى الدولة زمام الأمور في ما يتعلق بالحرب والسلم والسيطرة على الحدود الجنوبية.
ويُعد الإفراج عن المعتقلين حدثًا يحمل دلالات سياسية بالغة الأهمية: فهو أول عملية تسليم من نوعها منذ اندلاع الصراع الأخير بين إسرائيل و”حزب الله” قبل ستة أشهر. فقد رحبت السفارة الأميركية في بيروت “بإفراج إسرائيل عن سجناء”، واصفة هذه الخطوة بالإيجابية. وأضافت: “نحث الجانبين على مواصلة البناء على هذا الزخم قبيل الجولة المقبلة من المحادثات”. بدورها، وصفت وزارة الخارجية الأميركية لـ”نداء الوطن” هذا الترتيب بأنه ثمرة “وساطة قادتها الولايات المتحدة بين حكومتين شرعيتين”: لبنان وإسرائيل، معربة عن أملها في أن تمهد هذه الخطوة الأولية الطريق لمناقشات أوسع نطاقًا حول قضايا أخرى.
وفي واشنطن، توقفت مصادر دبلوماسية أميركية عند صياغة هذا الموقف، معتبرة أنها مدروسة بعناية. إذ من خلال الإشارة إلى “حكومتين شرعيتين”، حددت واشنطن بوضوح نطاق العملية الدبلوماسية، مؤكدة أن مؤسسات الدولة اللبنانية المعترف بها هي القناة المعتمدة للتفاوض، وليس “حزب الله”. ويلامس هذا التمييز جوهر الاستراتيجية الأميركية الأوسع، فـ”صيغة الإطار” لا تهدف فقط إلى الحدّ من أعمال العنف المباشرة عبر الحدود، بل تسعى أيضًا إلى ترسيخ مبدأ طالما قاومه “حزب الله” لعقود، وهو أن مسؤولية الأمن جنوب نهر الليطاني واتخاذ القرارات التي قد تؤدي إلى اندلاع حرب مع إسرائيل تقع حصرًا على عاتق الجيش والحكومة.
ومع ذلك، تشير مصادر أميركية إلى أن عملية إطلاق بعض الأسرى لا تحسم المسائل العالقة، وأبرزها استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني وقدراته، وترسانة “حزب الله” المستقلة. ورغم أن عملية الإطلاق تثبت أمرًا ذا أهمية استراتيجية، وهو أن الوساطة المباشرة يمكن أن تحقق نتائج، فإن هذه الحقيقة تسقط مزاعم “حزب الله” المستمرة بأن لبنان لا يملك خيارًا سوى الإبقاء على قوة مسلحة منفصلة عن الدولة.
تلة علي الطاهر تغيّر الموازين
في المقابل، اعتبر مصدر قريب من القيادة المركزية الأميركية أن الاختبار الأكثر إلحاحًا جرى في منطقة تلة علي الطاهر، التي أعلنت إسرائيل في الرابع من أيلول سيطرتها العملياتية على مرتفعاتها. وقال إن سقوط التلة أو سيطرة إسرائيل العملياتية عليها يحمل معنيين: عسكريًا، يمثل انتكاسة لدفاعات “حزب الله” وقدرته على استخدام التضاريس للقيادة والتخفي والعمليات، وسياسيًا، يكشف حدود ادعاء “الحزب” بأنه وحده القادر على حماية لبنان من إسرائيل.
ومع ذلك، شكّلت تلة علي الطاهر تحديًا كبيرًا لـ”صيغة الإطار” الثلاثية، إذ لم يتمكن الجيش من الانتشار في الموقع، وهو ما يعكس، بحسب مصادر قريبة من البنتاغون، حجم التحديات التي يواجهها لاستعادة السيادة. وسأل المصدر العسكري: “كيف يمكننا الضغط على إسرائيل للتخلي عن مواقعها في جنوب نهر الليطاني ونحن واثقون بأن لا رغبة ولا إمكانية ولا غطاء سياسي للجيش اللبناني لبسط سلطة الدولة؟”.
وأكد المصدر نفسه أنه ينبغي على واشنطن أن تُركّز على هذا الطلب تحديدًا: ليس سيطرة “حزب الله”، ولا سيطرة إسرائيلية غير محددة المدة، بل انتشار الجيش اللبناني المدعوم بمساعدة دولية عملية وآلية تحقّق موثوقة.

