القائمة

حين يُختطف جبران من هويته: معركة على الذاكرة لا على الجغرافيا

ليس تفصيلاً عابراً أن يُكتب على نصبٍ ثقافي في نيويورك أنّ جبران خليل جبران ورفاقه من أدباء المهجر “شعراء سوريون”. فالمسألة لا تتعلق بتصنيف جغرافي قديم أو خطأ إداري يمكن تجاوزه باعتذار بروتوكولي، بل تمسّ جوهر الذاكرة الثقافية اللبنانية، ومحاولة إعادة صياغة هوية أحد أبرز وجوهها الأدبية خارج سياقها التاريخي.

ما جرى يطرح سؤالاً خطيراً: هل أصبح الإرث الثقافي اللبناني قابلاً للمحو أو لإعادة التسمية وفق قراءات سياسية أو تاريخية مجتزأة؟
جبران خليل جبران، الذي شكّل علامة فارقة في الأدب العالمي، لم يكن يوماً مجرّد اسم في سجلات الهجرة أو أحد رموز “بلاد الشام” بالمفهوم العثماني القديم، بل هو ابن بشري، ابن الوجدان اللبناني الذي حمله إلى نيويورك وكتب به للعالم. وهو القائل وفق ما يُستشهد به في أدبياته ومراسلاته ” لو لم يكن لبنان وطني لاخترت لبنان وطني” ، في إشارة واضحة إلى انتماء وجداني لا لبس فيه، يتجاوز الجغرافيا الضيقة إلى هوية ثقافية متجذّرة.

إن محاولة اختزاله ضمن توصيف “سوري” ليست مجرد اختلاف في قراءة التاريخ، بل هي إعادة إنتاج لمرحلة ما قبل نشوء الكيانات الحديثة، وكأننا نعيش خارج تحولات القرن العشرين، وخارج قيام لبنان كدولة ذات هوية سياسية وثقافية مستقلة.

المشكلة لا تقف عند جبران وحده. فهي تمتد إلى ميخائيل نعيمة وسائر أدباء “الرابطة القلمية” و”العصبة الأندلسية”، الذين شكّلوا معاً واحدة من أهم الحركات الأدبية العربية الحديثة، وكانوا في صلب تكوين هوية أدبية لبنانية – عربية ذات خصوصية واضحة، لا يمكن تبسيطها تحت عنوان جغرافي فضفاض.

ليست القضية إذاً “تصحيح تسمية” على حجر في حديقة، بل معركة على الذاكرة: من يملك حق تعريف جبران؟ ومن يكتب هوية الأدب الذي خرج من هذه الجبال إلى العالم؟
في زمن تتصارع فيه الهويات على الرموز لا على الحدود فقط، يصبح السكوت عن مثل هذا الخطأ نوعاً من التنازل الصامت عن التاريخ نفسه. فحين يُنتزع جبران من سياقه اللبناني، لا يُمسّ اسم فرد، بل تُمسّ رواية وطن كامل عن نفسه.

وهنا تكمن خطورة ما حصل: ليس في الخطأ، بل في ما يرمز إليه من استعداد دائم لترك التاريخ عرضة لإعادة الكتابة من دون صوت صاحبه الأصلي.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *