القائمة

رسالة مفتوحة إلى أبو عمر العكّاري

أبو عمر،
قصتك ليست تفصيلاً عابرًا، وليست حكاية شخص نجح في خداع هذا أو ذاك. ما جرى يكشف، بوضوح موجع، حقيقة أعمق وأخطر وهي أنّ السياسة في لبنان بلا مناعة عقلية، وبلا كرامة سيادية.

أن يستطيع شخص، مهما كانت وسائله أو ادعاءاته، أن ينتحل صفة القرب من دوائر القرار في المملكة العربية السعودية، وأن يجد آذانًا مصغية لدى نواب حاليين وسابقين، ورؤساء أحزاب ووزراء، فهذه ليست عبقرية فرد، بل فضيحة نظام كامل.

المشكلة ليست في المحتال… بل في من صدّقه

في أي دولة طبيعية، يُقاس السياسي بقدرته على التحليل، وبمعرفته، وبشبكة مؤسسات تحمي القرار من الوهم والتلاعب.
أما في لبنان، فالأمر مختلف تمامًا. هنا، كثير من السياسيين لا يسألون: هل هذا الكلام صحيح؟
بل يسألون فقط: من يقف خلفه؟ ومن يدعمه؟ ومن قد يفتح لنا بابًا خارجيًا؟

بهذا المعنى، أنت لم تكشف ضعفًا فرديًا، بل كشفت قابلية الطبقة السياسية اللبنانية للخضوع لأي وهم يحمل ختم الخارج.

البحث الدائم عن “السيد الخارجي”

السياسي في لبنان لا يحكم.
هو، في أحسن الأحوال، ينتظر من يحكمه.
مرةً السعودي،
مرةً الإيراني،
مرةً الأميركي،
ومرةً أي وسيط يوهمه بأنه يملك خطًا مفتوحًا مع هؤلاء.

هذه التبعية ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر فجاجة. إذ تحوّل بعض السياسيين إلى سماسرة نفوذ، يعرضون مواقفهم، أصواتهم، وحتى خطابهم، لمن يدفع أو يَعِد. القرار السياسي في لبنان ما زال خاضعًا لتأثيرات خارجية مباشرة وغير مباشرة، سواء في تشكيل الحكومات أو في الملفات المالية والسيادية، ما يعكس ضعف الاستقلالية المؤسسية للدولة اللبنانية.
والأخطر من كل ما سبق، أن الصوت السياسي في لبنان لم يعد موقفًا، بل سلعة.
سلعة تُباع بأبخس الأثمان:
منصب، دعم انتخابي، أو وعد بعلاقة خارجية.
وهنا، لا يعود السؤال: هل كان ما فعلته احتيالًا؟
بل يصبح السؤال الأهم: لماذا كان الاحتيال ممكنًا أصلًا؟

لأن كثيرين ممن يدّعون تمثيل الناس، فقدوا القدرة على التمييز بين الدولة والمزرعة، وبين السيادة والوساطة، وبين الحقيقة والخيال.
أبو عمر،
قد تكون ارتكبت جرمًا، وقد يحاسبك القانون أو لا.
لكن ما لا يمكن تجاهله هو أنك وضعت إصبعك، ولو من حيث لا تدري، على الجرح اللبناني العميق:
نحن أمام طبقة سياسية لا تحكم، بل تُحكم، ولا تقرر، بل تنتظر التعليمات، ولا تبحث عن مصلحة الناس، بل عن من يشتري ولاءها.

وهذه ليست مشكلتك وحدك، بل مشكلة وطن بأكمله.

-Newsforlebanon

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *