خمسة أعوام مرّت على انفجار مرفأ بيروت، والانفجار لم يخفت صداه بعد. هو ليس فقط دويّ مادة نترات الأمونيوم التي مزّقت العاصمة وأبكتها، بل هو أيضًا ارتجاج ضميرٍ وطني، وانفجارٌ مدوٍّ في قلب دولة فشلت أو تواطأت في حماية شعبها حينها.
لأربع سنوات، بقي التحقيق في جريمة 4 آب أسير التجميد والتعطيل الممنهج. أُقصي المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، وقُدّمت الحصانات على العدالة، وعُطّلت كل المحاولات للوصول إلى الحقيقة، في ظلّ منظومة سياسية لم تكن مستعدّة لأن تنظر في المرآة.
لكن مع بداية العهد الجديد، تلوح بارقة أمل. الرئيس جوزاف عون، ومنذ اليوم الأول لتوليه سدّة الرئاسة، عبّر عن موقف واضح لا لبس فيه: لا غطاء فوق رأس أحد، ولا تسوية على حساب الحقيقة. وإلى جانبه، رئيس الحكومة الذي أكّد أكثر من مرة أن العدالة في قضية 4 آب ليست ملفًا قابلًا للإقفال، بل أولوية وطنية.
وفي قلب هذا التحوّل، يبرز الدور المحوري لوزير العدل، الذي وقف علنًا خلف القاضي طارق البيطار، وأعاد إلى التحقيق روحه، بعد أن كُفّت يد البيطار من قبل المنظومة السابقة. هو موقف نادر في سجلّ وزراء العدل: أن يدعم وزيرٌ قاضيًا مستقلًا في وجه التدخلات، وأن يوفّر له غطاءً سياسيًا وقانونيًا لاستئناف عمله، رغم كل التهديدات والضغوط.
هذه المواقف لا تُنهي الجريمة، لكنها تفتح الباب مجددًا أمام الأمل بأن العدالة لم تُدفن تحت أنقاض المرفأ. فالمحاسبة لم تعد ترفًا أو أمنية، بل مدماكًا أساسيًا لأي بناء جديد يُرجى لهذا البلد. من دونها، تبقى بيروت مدينة منكوبة لا تُشفى، ويبقى 4 آب تاريخًا معلّقًا على مفترق الغدر والخذلان.
وفي هذه الذكرى، يبقى صوت أهالي الضحايا هو البوصلة. هؤلاء الذين رفضوا أن يكون أولادهم مجرد أرقام، وأصرّوا على أن الحقيقة لا تموت، مهما طال الانتظار. هؤلاء الذين، لولا صمودهم، لما بقي لهذا الملف نبض.
اليوم، بين جراح الماضي وإرادة الحاضر، تُطرق أبواب العدالة من جديد. فهل تكون هذه المرة مختلفة؟ أم نكون أمام فرصة أخيرة، إمّا تُستكمل بشجاعة، أو تضيع إلى غير رجعة؟
-نعيم القصيفي

