في خطوة تُخالف جوهر المشاركة الوطنية، حَيَّكت المنظومة اللبنانية قطبةً في قانون الانتخابات النيابية يقضي بإضافة ستة مقاعد نيابية خاصة بالمغتربين، موزّعة على القارات الست، ومقسّمة طائفيًا. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا البند انفتاحيًا وتقدميًا، يُكرّس حضور الانتشار اللبناني في الحياة السياسية. لكن الحقيقة: ما حصل ليس توسعة للديمقراطية، بل تقليص لها وعزل ممنهج للبنانيين في الخارج عن حقهم في التأثير الفعلي في مصير وطنهم.
في الانتخابات السابقة، أثبت المغتربون اللبنانيون أنهم عنصر فعّال في التغيير، وشاركوا في انتخاب كامل أعضاء المجلس النيابي الـ128، بما في ذلك مرشّحي القوى التغييرية، ووجّهوا صفعة للمنظومة، وهذا ما لم تُغفله الاخيرة ولذلك، الإصرار على هذا البند ليعيد “تقويد” هذا الصوت الحر، عبر تخصيص ستة مقاعد فقط لهم، ما يعني إخراجهم من المعادلة الوطنية الكبرى، وتحويلهم إلى فئة انتخابية معزولة، غير قادرة على التأثير الجدي في التوازنات.
النتيجة؟ بدل أن يصوّت المغترب لمرشّح في منطقته أو لدائرة يُعبّر فيها عن انتمائه السياسي، سيُجبر على التصويت لمقعد “قاري”، محصور بطائفة، هكذا، يصبح اللبناني في باريس أو مونتريال أو سيدني.. مجرد رقم في معادلة طائفية، لا شريكًا في صناعة القرار الوطني.
ثم من قال إن المغتربين بحاجة إلى تمثيل خاص؟ أليسوا أبناء هذا الوطن كما المقيمين؟ أليسوا من حوّلوا الأزمة الاقتصادية إلى طوق نجاة عبر تحويلاتهم المالية؟ أليس من العار أن يُكافَأوا بالإقصاء السياسي بعد كل هذا؟
هذه السلطة لا تُريد مشاركة، بل “محاصصة اغترابيه”. تريد تحويل الانتشار إلى مقاعد محجوزة سلفًا. وما هذا التعديل إلا محاولة لضبط صناديق الخارج، وتفخيخها بالطائفية، وقوننة العزل الانتخابي للمنتشرين، لأنهم تجرأوا وقالوا “لا” للمنظومة في الاقتراع الأخير.
لذلك يجب المطالبة اليوم بتثبيت حقهم الكامل في انتخاب الـ128 نائبًا، تمامًا كما أي مواطن مقيم، وليس مقاعد رمزية لهم. الوطن ليس جغرافيا فقط، بل انتماء وحق. وأي قانون ينتقص من هذا الحق هو قانون إقصائي.
-نعيم القصيفي

