ليست كل التواريخ تُقاس بعدد السنوات التي تفصلنا عنها، بل بحجم الأثر الذي تركته في وجدان الشعوب. والسابع من آب هو واحد من تلك الأيام التي لم تنجح السجون في محوها، ولم تستطع الاعتقالات أن تطمس معناها. ففي ذلك اليوم، لم تكن المعركة بين طلاب عُزّل وسلطة أمنية فحسب، بل كانت مواجهة بين مشروعين: مشروع يريد لبنان وطنًا سيدًا حرًا مستقلًا، ومشروع أراده ساحة خاضعة لإرادة نظام الوصاية السورية.
في عام 2001، اعتقد النظام السوري، ومن يدور في فلكه داخل لبنان، أن القبضة الأمنية قادرة على إسكات الأصوات الحرة. أرسل أجهزته لتقتحم البيوت، وتداهم المكاتب، وتعتقل الطلاب والناشطين، وتملأ مراكز التحقيق بشباب لم يحملوا إلا علم لبنان وإيمانهم بأن هذا البلد لا يمكن أن يبقى رهينة لأي وصاية.
كان المشهد واضحًا: شباب جامعيون، ناشطون، وأعضاء في الأحزاب السيادية التي رفضت الخضوع، يتقدمون الصفوف رغم معرفتهم بأن ثمن المواجهة قد يكون الزنزانة. تعرّض كثيرون منهم للاعتقال والتنكيل والاستجواب، وكان من بين أبرز الوجوه الشابة التي دفعت ثمن هذا الخيار رئيس حزب الكتائب الحالي النائب سامي الجميّل، إلى جانب عدد كبير من المناضلين الذين تحوّلوا لاحقًا إلى رموز في مسيرة استعادة السيادة ومنهم من دخل الندوة البرلمانية.
لكن الوصاية أخطأت في الحساب. ظنّت أن الاعتقالات ستُسكت الأصوات، فإذا بها تُضاعفها. واعتقدت أن السجون ستطوي القضية، فإذا بالقضية تكبر عامًا بعد عام، حتى تحوّلت إلى حركة وطنية واسعة دفعت اللبنانيين إلى التمسك بحقهم في دولة سيدة حرة مستقلة، وصولًا إلى محطة الاستقلال عام 2005.
واليوم، بعد مرور سنوات على تلك الأحداث، تبدو المفارقة صارخة. النظام الذي مارس نفوذه في لبنان بالقوة، وقمع المعارضين، واعتبر نفسه فوق إرادة الشعوب، انتهى نفوذه في لبنان، ثم شهد لاحقًا انهيار حكمه في سوريا. أما أولئك الشباب الذين وُوجهوا بالاعتقال لأنهم طالبوا بالحرية، فما زال كثير منهم حاضرًا في الحياة الوطنية والسياسية، يحمل القضية نفسها ويواصل الدفاع عن الدولة والسيادة وقرارها الحر.
إن ذكرى السابع من آب ليست مناسبة للحنين إلى الماضي، بل تذكير بأن السيادة لم تكن يومًا هدية، بل ثمرة نضال طويل دفع ثمنه طلاب وشباب رفضوا الخوف، وآمنوا بأن لبنان يستحق أن يكون وطنًا لا ساحة، ودولة لا مزرعة، وقرارًا لبنانيًا لا وصاية عليه.
قد تتبدل الأنظمة، وقد تسقط مشاريع الهيمنة مهما طال الزمن، لكن ما يبقى هو إرادة الذين رفضوا الاستسلام. وهؤلاء أثبتوا أن الاعتقال قد يقيّد الإنسان لساعات أو أيام، لكنه لا يستطيع أن يقيّد فكرة، ولا أن يهزم قضية، ولا أن يطفئ شعلة الحرية في وطن وُلد ليبقى سيدًا حرًا مستقلًا.
-نعيم القصيفي

