القائمة

“إيدَك عن جبل لبنان”… المشاعات للشعب

طوني عطية
نداء الوطن
شكّل جبل لبنان، عبر تاريخه، عنوانًا عريضًا للحرية بأبعادها الاجتماعية والسياسية، بل والعقارية أيضًا. وخاض أبناؤه نضالات مذهلة، متمسّكين بحقهم في إدارة شؤونهم وصون أملاكهم ومشاعات قراهم، في مواجهة محاولات الإلحاق والمصادرة، سواء كانت من بعض الطامعين أم من قِبل السلطة المركزية.

منذ أيّام السلطنة العثمانية، تمتّع هذا الجبل العتيق بواقع فريد ومتميّز في محيطه المحلّي والإقليمي. فقد ترك الحكم العثماني لأهله حقّ إدارة شؤونهم وأموالهم وأراضيهم، التي تبلغ مساحتها حوالى ثلاثة آلاف كيلومتر مربّع، وتقع غالبيتها على سفوح “جبل لبنان القديم”، الممتدّ من قرنة الشهداء (القرنة السوداء)، شمالا حتى جزين جنوبًا. وظلّ ينعم بـ”ترتيب خاص”، مرورًا بالانتداب الفرنسي وصولا إلى الاستقلال. وتميّز في عهد الأمير فخر الدين الثاني (1572-1635) بتثبيت ملكية المشاعات العامة باسم أهالي القرى والبلدات، كأنّها أرض الشعب ووديعة الأجيال. ذلك الشعب الحيّ الذي لم يغفُ يومًا غفوة أهل الشرق، بل ظلّ واقفًا، عاملا بشغف في بيادر الحرية والاستقلال، ومنشئًا “لاهوت الأرض”. وهكذا غدا الأهالي أصحاب السلطان عليها، لا يتنازلون عنها لأيّ سلطة أخرى، حتى لو كانت الدولة التي ما كانت لتكون لولاهم ولولا تضحياتهم.

أمّا بقيّة المناطق، فاعتبرها السلطان ملحقة بالسلطنة، وصنّف أراضيها أميرية، أي تخصّ الحاكم. ومع المسح الفرنسي في الثلاثينيات، بقيت على حالها، ووُضعت المشاعات في الشمال والبقاع والجنوب والساحل تحت إمرة الدولة اللبنانية.
محاولتان لوضع اليد

غير أنّ هذا الثابت، الذي صمد أمام تبدّل العهود وتعاقب السلطات على مدى عقود، تعرّض في السنوات الأخيرة لمحاولات العبث به. فبعدما بقيت مشاعات جبل لبنان محفوظة لأهالي قراه وبلداته، ومحصّنة بإرثها القانوني والتاريخي، جرت محاولتان إداريتان لقيد المشاعات أو العقارات غير الممسوحة باسم الدولة، ما أثار علامات استفهام واسعة لدى الأهالي والقوى المسيحية، خصوصًا أنّ الحكومات المتعاقبة، منذ نشأة الجمهورية اللبنانية على الأقل، لم تُقدِم على مثل هذه الإجراءات.

وزاد من الشكوك في وجود “قطبة مخفية” منسوجة بـ”خيط السلبطة” ما شهدته المنطقة من محاولات لقضم أجزاء من مشاعات العاقورة من جهة اليمونة وغيرها، فضلا عن قضية أراضي لاسا وسواها من النزاعات العقارية، وما يُثار بشأن محاولات جهات محسوبة على “الممانعة” للهيمنة على عقارات مسيحية في ساحل الشوف.

المحاولة الأولى، حصلت في عهد وزير المال الأسبق علي حسن خليل عام 2015، حين أصدر المذكرة رقم 4863/ص1، المؤرخة في 21 كانون الأول 2015، تحت عنوان: “مهمّة مندوبي دائرة أملاك الدولة أثناء أعمال التحديد والتحرير العقاري”.

وطلبت المذكرة من مندوبي دائرة أملاك الدولة والمسّاحين عدم تدوين العبارات التي كانت تُعتمد سابقًا، ومنها: “ملك عموم أهالي البلدة” أو “مشاع عموم أهالي البلدة”. وأثارت المذكرة اعتراضات واسعة، وفي اليوم نفسه، صدر القرار رقم 1216/1، الذي استثنى، وفق النص المنقول عنه في دراسات قانونية، المناطق الواقعة ضمن نطاق جبل لبنان القديم من أملاك الدولة.

أمّا المحاولة الثانية، فكانت في 25 شباط 2026، إذ أصدر وزير المال ياسين جابر التعميم رقم 609/ص1، الذي طلب قيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات أولا باسم الدولة، على أن يجري نقلها لاحقًا إلى البلديات بعد تقديم المستندات التي تثبت ملكيتها أو حقوقها فيها.

وأثار التعميم اعتراضات سياسية وقانونية وشعبية، ولا سيما في القرى والبلدات الجبلية التي اعتبرت أنّ الإجراء يمسّ ملكيتها التاريخية للمشاعات.

وفي 26 شباط 2026، وتحت الضغط الشعبي أصدرت المديرية العامة للشؤون العقارية توضيحًا حصرت فيه المقصود بالتعميم بالأراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي، مؤكدة أنّ المشاعات العائدة إلى أهالي القرى والبلديات لا تدخل ضمن هذا التصنيف.

وفي 30 آذار 2026، أصدر جابر التعميم رقم 945/ص1، الذي عدّل التعميم السابق، واستثنى مشاعات القرى والبلديات الواقعة داخل النطاق البلدي، وثبّت خضوعها لنظامها القانوني الخاص.

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *