في توقيت بالغ الحساسية، وبعدما عاد النقاش الوطني إلى جوهر الأزمة اللبنانية: من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يحمي سيادة الدولة؟ خرج لقاء “مسيحيون من أجل لبنان” من دير سيدة البير ليطرح خطاباً يعيد تدوير المواقف التي لطالما استخدمها محور الممانعة لتبرير استمرار السلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية.
اختيار المكان لم يكن تفصيلاً عابراً في الحسابات السياسية. فدير سيدة البير ارتبط تاريخياً بمحطات مسيحية ووطنية بارزة، كما شكّل أحد الأمكنة التي احتضنت لقاءات مرتبطة بالجبهة اللبنانية خلال مرحلة الحرب اللبنانية. لذلك، فإن محاولة استحضار هذه الرمزية التاريخية عبر عقد لقاء يحمل عناوين مسيحية وطرح “خارطة طريق” تبدو وكأنها محاولة لاستعارة صورة تاريخية أكبر من حجم اللقاء الفعلي.
فاللقاء لم يأتِ في فراغ، بل ظهر في مواجهة مباشرة مع المناخ الوطني المتزايد الذي يطالب باستعادة الدولة لقرارها، ومع المواقف الصادرة عن بكركي التي أعادت التأكيد على أن لا قيام للبنان القوي من دون حصرية السلاح بيد الدولة، ومن دون إنهاء أي ازدواجية في القرار السيادي.
لكن بعيداً عن العناوين الكبيرة التي رُفعت، يبقى السؤال الأساسي: من يمثل هذا اللقاء؟ فالمشهد الذي قُدّم على أنه “لقاء مسيحي موسّع” لا يعكس حضوراً شعبياً أو سياسياً وازناً، ولا يستند إلى تمثيل انتخابي أو حيثية جماهيرية تخوّله التحدث باسم المسيحيين. بل إن محاولة تضخيم حجمه اصطدمت أيضًا بتوضيحات صدرت عن بعض الأسماء الواردة في البيان، والتي نفت مشاركتها أو أوضحت عدم ارتباطها باللقاء، ما يطرح علامات استفهام حول طريقة الإعداد له وحول محاولة تقديمه بصورة أكبر من حجمه الفعلي.
المسألة هنا ليست مرتبطة بحق أي مجموعة في الاجتماع أو التعبير عن رأيها، بل بمحاولة إنتاج “واجهة مسيحية” جديدة لتخفيف الضغط السياسي عن حزب الله، بعدما باتت معادلة السلاح خارج الدولة موضع اعتراض واسع لدى اللبنانيين. فبعد سنوات من التجارب المريرة، لم يعد السؤال عن نيات السلاح، بل عن نتائجه: تعطيل المؤسسات، ضرب علاقات لبنان الخارجية، وإدخاله في حروب لا يملك قرارها.
لقد اعتمد محور الممانعة طوال السنوات الماضية سياسة البحث عن غطاء من داخل الطوائف اللبنانية لتثبيت نفوذه، لأن إدراكه لحقيقة أساسية: أي مشروع يقوم على قوة فوق الدولة يحتاج دائماً إلى محاولة تقديم نفسه كجزء من النسيج الوطني لا كسلطة موازية له.
ومن هنا تأتي خطورة استخدام العنوان المسيحي في معركة سياسية هدفها إبقاء الواقع القائم. فالمسيحيون في لبنان لم يحموا وجودهم تاريخياً عبر التعايش مع سلطات موازية للدولة، بل عبر الدفاع عن دولة القانون والمؤسسات والشراكة الوطنية. أما تحويل الهوية المسيحية إلى أداة لتبرير استمرار السلاح، فهو إساءة لمفهوم الشراكة قبل أن يكون خلافاً سياسياً.
فلبنان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج التسويات التي أبقت الدولة ضعيفة، ولا إلى لقاءات هدفها إدارة أزمة السلاح بدل حلّها. المطلوب واضح: دولة واحدة، قرار واحد، وجيش واحد. وكل محاولة للالتفاف على هذا المسار لن تغيّر حقيقة أن أزمة لبنان الأساسية ليست غياب الشعارات الوطنية، بل غياب احتكار الدولة لقرارها السيادي.
اليوم، المعركة ليست بين مكوّنات لبنان، بل بين من يريد بناء دولة قادرة ومن يريد إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين. وأي غطاء جديد، مهما كان شكله أو عنوانه، لن يبدّل هذه الحقيقة.
-نعيم القصيفي

