في حوار هو من الأكثر جرأة وإثارة للجدل في المرحلة الراهنة، قدّمت مديرة معهد الدراسات الإسلامية والمسيحية في جامعة القديس يوسف في بيروت، الدكتورة رولا تلحوق، قراءة غير مسبوقة لمسار الطائفة الشيعية في لبنان، متهمة حزب الله بمصادرة القرار الشيعي، ومعتبرة أن فرنسا لعبت دوراً سياسياً في حماية نفوذه، ومحذرة من أن لبنان يقف أمام لحظة شبيهة بالمفاصل الكبرى التي أعادت تشكيل تاريخه الحديث.
وخلال مقابلة مطولة أجراها معها الإعلامي رامي الأمين عبر قناة الحرة، فتحت تلحوق ملفات اعتبرها كثيرون من المحرمات السياسية والفكرية، متجاوزة السرديات التقليدية التي حكمت النقاش اللبناني لعقود، لتقدم مقاربة تستند إلى البحث الأكاديمي والقراءة الأنثروبولوجية للتاريخ الشيعي في لبنان وعلاقته بالدولة والسلطة والسلاح والهوية.
ورأت أن جوهر الأزمة اللبنانية لا يكمن فقط في الصراعات السياسية الراهنة، بل في تراكمات فكرية وثقافية عميقة رافقت نشوء الحركات العقائدية المسلحة، معتبرة أن المظلومية التاريخية المرتبطة بكربلاء وعاشوراء جرى نقلها من إطارها الديني والروحي إلى المجال السياسي، حيث تحولت، وفق رؤيتها، إلى أداة تعبئة ساهمت في إنتاج فائض قوة عسكرية وتنظيمية تجاوز حدود الدولة ومؤسساتها.
وفي قراءة تاريخية لافتة، أعادت التذكير بالدور الذي لعبه علماء جبل عامل في نشر التشيع في إيران، معتبرة أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الجماعة التي ساهمت تاريخياً في ترسيخ الهوية المذهبية لإيران، باتت اليوم، بحسب رأيها، تدفع أثمان الارتباط بالمشروع الإيراني وولاية الفقيه.
كما خصصت جزءاً مهماً من الحوار للحديث عن الإمام موسى الصدر، معتبرة أن حضوره إلى لبنان شكّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الطائفة الشيعية، من خلال إعادة بناء مؤسساتها الدينية وتعزيز حضورها داخل الدولة اللبنانية، قبل أن تتبدل المعادلات مع صعود الأحزاب العقائدية المسلحة وتراجع دور الدولة لمصلحة مشاريع تتجاوز حدودها.
وفي واحدة من أكثر محطات المقابلة إثارة للجدل، أعادت تلحوق فتح ملف العلاقة التاريخية بين فرنسا ولبنان، رافضة الصورة التقليدية التي تقدم باريس بوصفها “الأم الحنون”، ومعتبرة أن فرنسا لعبت أدواراً سياسية ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في توفير مظلات حماية لنفوذ حزب الله خلال محطات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث.
ولم تتوقف عند هذا الحد، بل حمّلت اتفاق مار مخايل مسؤولية توفير الغطاء السياسي الذي سمح للحزب بالتوسع داخل مؤسسات الدولة، معتبرة أن التحالفات التي أعقبت عام 2006 كرّست اختلالاً عميقاً في التوازنات الداخلية، وصولاً إلى مرحلة باتت فيها الدولة عاجزة عن فرض سلطتها الكاملة على جميع أراضيها ومرافقها.
كما رأت أن البيئة الشيعية نفسها دفعت أثماناً باهظة نتيجة هذه الخيارات، سواء من خلال الحروب المتلاحقة أو الانهيارات الاقتصادية أو موجات النزوح والدمار التي أصابت مناطق واسعة من الجنوب والضاحية الجنوبية، مؤكدة أن الشيعة ليسوا كتلة سياسية واحدة، وأن داخل الطائفة أصواتاً معترضة ومهمشة تعرضت للضغط والإقصاء على مدى سنوات.
وحذرت من أن استمرار الواقع القائم من دون مراجعة داخلية عميقة قد يقود إلى تحولات ديموغرافية واجتماعية خطيرة، في ظل غياب رؤية واضحة للمستقبل وتزايد الأعباء التي تتحملها المجتمعات المحلية في المناطق المتضررة.
وفي ما بدا رسالة مباشرة إلى أبناء الطائفة الشيعية، دعت تلحوق إلى استعادة القرار الحر والانخراط الكامل في مشروع الدولة والمؤسسات، معتبرة أن حماية الطوائف لا تكون بالسلاح، بل بالقانون والشراكة الوطنية والاحتكام إلى الدولة.
وبين التاريخ والدين والسياسة والحرب، بدت المقابلة محاولة لإعادة طرح السؤال الذي يتهرب منه اللبنانيون منذ عقود: هل يمكن بناء دولة واحدة في ظل مشاريع تتجاوزها؟
“الشيعة ليسوا حزب الله… وحين تستعيد الطائفة حريتها، يستعيد لبنان فرصته.”
بهذه العبارة اختصرت الدكتورة رولا تلحوق رؤيتها لمستقبل لبنان، واضعة واحدة من أكثر القضايا حساسية في البلاد أمام نقاش مفتوح لن ينتهي مع انتهاء الحلقة، بل سيبقى مطروحاً ما دام اللبنانيون يبحثون عن طريق يعيد الدولة إلى موقعها الطبيعي، ويعيد السياسة إلى سقف الوطن.

