القائمة

من غطّى مشروع حزب الله شريكٌ في نتائجه.. لا تنسوهم!

من السهل اليوم تحميل حزب الله وحده مسؤولية ما وصل إليه لبنان. ومن الطبيعي أيضاً أن تتجه أصابع الاتهام إليه أولاً، فهو صاحب قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، وهو من ربط لبنان لعقود بمحاور إقليمية لا علاقة لها بمصالح اللبنانيين، وهو من قاد البلاد من مواجهة إلى أخرى حتى انتهى الأمر بدمار واسع وخسائر بشرية واقتصادية هائلة وعزلة عربية ودولية متفاقمة.

لكن اختصار المأساة اللبنانية بحزب الله وحده فيه قدر من التبسيط المخلّ، لأن أي قوة سياسية، مهما بلغت قوتها العسكرية أو الشعبية، لا تستطيع أن تفرض مشروعاً بهذا الحجم على دولة بكاملها لثلاثة عقود من الزمن من دون شركاء وفروا لها الغطاء السياسي والمؤسساتي والوطني.
صحيح أن حزب الله هو رأس المشروع، لكن من الخطأ تجاهل الأيدي التي حملت هذا المشروع، وشرّعته، وغطّت تمدده داخل الدولة، وساعدته على الإفلات من أي مساءلة سياسية أو وطنية.

فأين تقع مسؤولية حلفائه؟
حركة أمل، الشريك الأول والأقرب، لم تكن يوماً مجرد حليف عابر. فمنذ سنوات طويلة شكّل الثنائي الشيعي جبهة سياسية موحدة في كل المحطات المفصلية تقريباً. وعندما كان يُطرح السؤال حول السلاح أو السيادة أو دور الدولة، كانت حركة أمل تقف إلى جانب حزب الله في تثبيت المعادلة القائمة لا في تغييرها. وبالتالي فإن كل ما نتج عن هذه المعادلة من نتائج كارثية لا يمكن فصل الحركة عنه وكأنها كانت مجرد متفرج.

أما التيار الوطني الحر، فقد منح حزب الله ما كان يحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر: الغطاء المسيحي. فمنذ تفاهم مار مخايل عام 2006، حصل الحزب على شرعية سياسية ووطنية مكّنته من مواجهة الانتقادات الداخلية والخارجية. وعندما كان اللبنانيون ينقسمون حول سلاحه ودوره الإقليمي، كان التيار يقدم له الحجة السياسية التي يحتاجها للاستمرار. قد تكون العلاقة قد شهدت لاحقاً خلافات وتباينات، لكن الحقيقة تبقى أن مرحلة التمكين الأكبر للحزب داخل مؤسسات الدولة ترافقت مع هذا التحالف.

ولا يمكن استثناء تيار المردة ورئيسه سليمان فرنجية من هذه المسؤولية. فالرجل كان من أكثر المدافعين عن خيارات حزب الله الاستراتيجية، ومن أكثر المتمسكين بالمحور الذي ينتمي إليه الحزب. وعلى امتداد السنوات الماضية، لم يسجل أي اعتراض جوهري على السياسات التي أوصلت لبنان إلى المأزق الحالي.

وينطبق الأمر نفسه على حزب البعث والقومي السوري الاجتماعي وسائر القوى التي وضعت نفسها في خدمة المشروع نفسه، سواء من خلال الدعم السياسي أو الخطاب التعبوي أو توفير الغطاء الشعبي والإعلامي له.
بل إن المسؤولية تمتد أيضاً إلى شخصيات وقوى سياسية أخرى اختارت الصمت عندما كان الكلام مطلوباً، والمسايرة عندما كانت المواجهة الوطنية واجباً، والمصلحة الآنية عندما كانت مصلحة الدولة على المحك. فالمشكلة في لبنان لم تكن يوماً وجود حزب الله فقط، بل وجود شبكة سياسية كاملة قررت التعايش مع واقع الدولة الضعيفة والاستفادة منه.

والحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها اليوم هي أن حزب الله لم يسيطر على الدولة بالقوة العسكرية وحدها. لو كان الأمر كذلك لما استمر هذا الواقع ثلاثين عاماً. لقد سيطر عليها أيضاً عبر التحالفات والتسويات والصفقات والغطاءات المتبادلة. وكل من شارك في توفير هذه المظلة يتحمل جزءاً من المسؤولية السياسية والأخلاقية والوطنية عما وصل إليه لبنان.

لذلك، عندما يُفتح ملف المسؤوليات بعد هذه الحرب المدمرة، لا يجوز أن يقف اللبنانيون عند حدود حزب الله وحده. نعم، الحزب يتحمل المسؤولية الأكبر لأنه صاحب القرار وصاحب المشروع. لكن هناك شركاء في هذا المشروع، وشركاء في نتائجه، وشركاء في الخراب الذي دفع اللبنانيون جميعاً ثمنه.

فمن منح الغطاء لشخص يحمل السلاح خارج الدولة، ومن برر أفعاله، ومن صوّت لخياراته، ومن دافع عنه في كل استحقاق، لا يستطيع اليوم أن يقف جانباً متقمصاً دور المتفرج أو الضحية.

في السياسة كما في التاريخ، لا يسقط الخراب من السماء. هناك من يصنعه، وهناك من يسمح له بأن يكبر. وإذا كان حزب الله قد صنع جزءاً كبيراً من المأساة اللبنانية، فإن حلفاءه كانوا التربة السياسية التي سمحت لهذه المأساة بأن تتجذر وتتوسع حتى وصلت إلى ما نعيشه اليوم.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *