في السياسة اللبنانية، كثيرًا ما تُقتطع المواقف من سياقها الكامل لتُستخدم كسلاح إعلامي، وهذا ما حصل مع كلام رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميّل خلال مقابلته مع الإعلامي أحمد طه. فالجملة التي قال فيها: «إذا سلّم الحزب سلاحه ولم تنسحب إسرائيل، سنحمل السلاح ونقاتل إسرائيل»، لم تكن دعوة إلى تكريس واقع الميليشيات أو تبرير السلاح الخارج عن الدولة، بل جاءت في سياق سياسي وسيادي مختلف تمامًا عمّا حاول البعض تصويره.
ما قصده سامي الجميّل بوضوح هو أن الدفاع عن الأرض اللبنانية حق طبيعي لأي شعب عندما تتخلى الدولة الدولية عن مسؤولياتها، أو عندما تتعرض السيادة الوطنية لاحتلال مباشر. لكنه في الوقت نفسه يميّز بين “مقاومة وطنية ظرفية” مرتبطة حصراً بالدفاع عن لبنان، وبين وجود تنظيم عسكري دائم يمتلك قرار الحرب والسلم بمعزل عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.
وهنا تكمن النقطة الأساسية التي يتجاهلها كثيرون عمدًا: الكتائب لا تعارض مبدأ الدفاع عن لبنان، بل تعارض احتكار فئة حزبية واحدة لقرار السلاح، وربط هذا السلاح بمشروع إقليمي يتجاوز الحدود اللبنانية. فالفرق كبير بين أن يحمل اللبنانيون السلاح دفاعًا عن أرض محتلة ضمن حالة وطنية جامعة وتحت سقف الدولة، وبين أن يبقى السلاح قائمًا كأمر واقع دائم يفرض توازنات داخلية ويعطل قيام الدولة.
عندما قال سامي الجميّل “سنحمل السلاح”، كان يتحدث عن حالة افتراضية مرتبطة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي رغم أي تسوية أو انسحاب للسلاح غير الشرعي، أي أنه أراد التأكيد أن حزب الكتائب ليس حزب استسلام أو تطبيع أو تخلي عن الأرض. بل على العكس، أراد نزع التهمة التقليدية التي يحاول خصومه إلصاقها به، ومفادها أن كل من يطالب بحصر السلاح بيد الدولة هو تلقائيًا ضد مقاومة إسرائيل.
لكن الإعلام الموجّه حاول القفز فوق هذه الفكرة الأساسية، عبر مساواة موقف الكتائب بمشروع الحزب الحالي، بينما الفارق بين المشروعين جذري. فالحزب يعتبر أن قرار الحرب يجب أن يكون قرار الدولة اللبنانية وحدها، وأن أي مواجهة يجب أن تكون تحت راية وطنية جامعة، لا ضمن معادلة تضع لبنان كله رهينة لحسابات إقليمية لا قدرة له على تحمل نتائجها.
كما أن كلام سامي الجميّل حمل رسالة سياسية أخرى: لا يمكن لأحد أن يحتكر الوطنية أو أن يصادر حق اللبنانيين بالدفاع عن أرضهم. فرفض السلاح غير الشرعي لا يعني القبول بالاحتلال، تمامًا كما أن المطالبة بالدولة لا تعني التخلي عن السيادة. وهذه المعادلة بالتحديد هي التي يحاول الكتائب تكريسها: دولة قوية، جيش قوي، وقرار وطني موحّد، بدل تعدد الجيوش وتعدد الولاءات.
ومن هنا، فإن اختصار كلامه بجملة مجتزأة من سياقها هو تضليل للرأي العام أكثر منه نقاشًا حقيقيًا للموقف السياسي. لأن جوهر ما قاله ليس “تأييد السلاح الحالي”، بل التأكيد أن الدفاع عن لبنان حق، إنما ضمن مشروع وطني سيادي لا يحوّل الدولة إلى مجرد واجهة شكلية أمام قوة عسكرية مستقلة عنها.
-فرنسوا الجردي

