لم تكن خطوة رئاسة الجمهورية بتكليف السفير سيمون كرم ترؤس الوفد اللبناني إلى اجتماعات اللجنة التقنية العسكرية “الميكانيزم” مجرّد تفصيل بروتوكولي أو حركة شكلية. ما جرى اليوم هو قرار سياسي ثقيل، يفتح الباب على مقاربة جديدة للنزاع مع إسرائيل، ويعيد الاعتبار لصوت الدولة في لحظةٍ تكاد تختنق فيها السياسة تحت ركام السلاح والغرائز.
للمرة الأولى منذ قيام هذه اللجنة، يُرسِل لبنان مدنياً دبلوماسياً محترفاً إلى طاولة مواجهة تُدار عادة بقبضة العسكر. هذه سابقة، وخيار جريء، ورسالة مزدوجة:
أولاً، أن لبنان ما عاد يقبل بأن يُختصر موقفه بين بندقية وصاروخ وبلاغ عسكري. الدولة قرّرت أن تتكلّم، وبصوتها هي.
ثانياً، أن النزاع يُدار بتمثيلٍ رسمي يحظى بالشرعية الدستورية والغطاء الدولي، علمًا ان كرم عين بالتوافق بين الرؤساء الثلاثة.
تكليف السفير كرم ليس مجرّد اسم. الرجل يحمل خبرة تفاوضية ومعرفة معمّقة بآليات العمل الدولي، وهذا بالضبط ما يحتاجه لبنان اليوم: ليس “العسكر يتحدثون مع العسكر”، بل الدولة تواجه الدولة، وتضع ملف الأرض والحدود والاعتداءات الإسرائيلية ضمن إطار قانوني، دبلوماسي، أممي، لا ضمن بازار المزايدات.
والأهم من ذلك: إنّ الذهاب بوفد مدني إلى الناقورة تحت مظلة الأمم المتحدة ليس تنازلاً، بل استعادة امتياز. فالشرعية الدولية، عندما تُستخدم بذكاء، تصبح سلاحاً أفعل من كل ما راكمه حزب الله من ترسانات.
في زمنٍ يزدحم فيه الخطاب الشعبوي، ويعلو فيه صوت المنتفعين من الفوضى على صوت الدولة، جاءت هذه الخطوة كصفعة سياسية. هي إعلان واضح:
لبنان ليس مزرعة ميليشيات، بل دولة لها رئيس، ودستور، ومؤسسات، ووفد شرعي يفاوض باسمها.
هذا التوجّه ليس تفصيلاً. إنه بداية انتقال من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “إدارة الدولة”.
ومن يقرأ المشهد جيّداً يفهم أن رئاسة الجمهورية وضعت اليوم حجراً أساسياً على طريق طويل: طريق استعادة القرار، إعادة تأطير العلاقة مع الأمم المتحدة، وتقديم لبنان كدولة لا كمنصة.
-نعيم القصيفي

