القائمة

المقاعد الستة: مؤامرة انتخابية ضد الانتشار اللبناني

منذ إدخال المادة 122 إلى قانون الانتخابات اللبناني، والتي تنصّ على تخصيص ستة مقاعد نيابية للمغتربين اللبنانيين، دار الكثير من الجدل حول ما إذا كانت هذه المادة تمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز المشاركة السياسية للانتشار، أم أنها تأتي في سياق محاولة للحدّ من تأثيره الفعلي في موازين القوى داخل البرلمان.

على الورق، تبدو الفكرة جذابة: مقاعد مخصصة للمغتربين، موزعة على القارات الست، تتيح للبنانيين المنتشرين حول العالم أن يكون لهم حضور مباشر في المجلس النيابي. لكن حين يوضع هذا النص في السياق العام للممارسة السياسية اللبنانية، تتغيّر الصورة.

في انتخابات 2022، شارك المغتربون اللبنانيون للمرة الأولى بكثافة لافتة. وقد ساهمت أصواتهم، بشكل واضح، في تغيير نتائج عدد من الدوائر، وأدت إلى فوز مرشحين معارضين للمنظومة التقليدية. تلك المشاركة لم تكن هامشية، بل كانت مفصلية، ما أثار قلقًا مشروعًا بالنسبة للسلطة من أن يتحوّل صوت الانتشار إلى عنصر غير قابل للضبط في المعادلة الداخلية.
انطلاقًا من هنا، بدا أن تفعيل المادة 122 لا يندرج في سياق تكريس الحقوق، بل في سياق تقلص التأثير، من خلال فصل المغترب عن دائرته الأصلية، وحصره في إطار انتخابي ضيق، رمزي، وغير مؤثر فعليًا على موازين الكتل النيابية.

وإذا كان التمثيل المباشر للانتشار اللبناني فكرة قابلة للنقاش من حيث المبدأ، فإن الطريقة التي طُرحت بها مقاعد ستة فقط، موزعة طائفيًا، ومفصولة عن الدوائر الداخلية تُثير أكثر من علامة استفهام. فهل المطلوب تمثيل فعلي، أم ضبط ايقاع صوت المغترب على ايقاع يطرب المنظومة؟ وهل من المنطقي أن يُعامل اللبناني المغترب كمواطن من فئة ثانية لا يحق له المشاركة الكاملة في الاستحقاق النيابي؟

الأكثر إرباكًا هو موقف المجلس النيابي نفسه، الذي رفض مؤخرًا رئيسه إدراج اقتراح قانون لإلغاء هذه المادة على جدول الجلسة العامة، رغم وجود دعم نيابي وشعبي واسع لها. تجاهل هذا الاقتراح لا يمكن قراءته إلا في إطار سياسي واضح: لا نية حقيقية لإعادة النظر في هذا البند، لأنه يخدم ميزان القوى القائم، لا العدالة الانتخابية.

المطلوب اليوم ليس فقط المطالبة بإلغاء المادة 122، بل خوض نقاش أوسع حول فلسفة التمثيل النيابي للبنانيين المنتشرين. فإما أن نعتبرهم مواطنين كاملي الحقوق، يشاركون في صناعة القرار السياسي من موقعهم الطبيعي، أو أن نعترف صراحة بأن هناك من يفضّل إبقاءهم في موقع رمزي، لا يؤثر في تركيبة الحكم.

في بلد يحتاج إلى كلّ صوت حيّ، لا يجوز أن يُقابل صوت المغترب بالتقليص. بل يجب أن يُصان كجزء من دينامية ديمقراطية حقيقية، لا مسرحية انتخابية تُكتب فصولها خلف الكواليس.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *