شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون خلال القمّة العربية الطارئة في القاهرة، على أن لبنان تعلمَ أنّ مصالحَه الوجودية هي مع محيطِه العربي وأنّ مصالحَه الحياتية هي مع العالمِ الحرِ كلِه وأنّ دورَه في منطقته أن يكونَ وطنَ لقاء لا ساحةَ صراع، وأنّ علةَ وجودِه هي في صيانةِ الحرية، وصياغةِ الحداثة، وصناعةِ الفرح، فرحُ الحياةِ الحرة الكريمة السيدة المزدهرة اليانعة، المنفتحة على كلِ ما هو جمالٌ وحقٌ وخيرٌ وعدلٌ وقيمٌ إنسانية جامعة حيّة.”
وتابع: ” أيها الإخوة، لقد عانى لبنانُ كثيراً. لكنه تعلّمَ من معاناته، تعلّمَ ألا يكونَ مستباحاً لحروبِ الآخرين، وألا يكونَ مقراً ولا ممراً لسياساتِ النفوذِ الخارجية ولا مستقَراً لاحتلالاتٍ أو وصاياتٍ أو هيمنات وألا يسمحَ لبعضِه بالاستقواء بالخارج ضدَ أبناءِ وطنِه حتى ولو كان هذا الخارجُ صديقاً أو شقيقاً، وألا يسمحَ لبعضِه الآخر، باستعداءِ أيِ صديقٍ أو شقيق أو إيذائه فعلاً أو حتى قولاً.”
وقال:” ها هو الآن، يعودُ ثانياً إلى شرعيتِه العربية، بفضلِكم وبشهادتِكم وبدعمِكم الدائم المشكورِ والمقدّر، وليعودَ معكم ثالثاً إلى الشرعيةِ الدولية الأممية التي لا غنى ولا بديلَ عنها لحمايتِه وتحصينِه واستعادةِ حقوقِه كاملة. ففي بلدي، تماماً كما في فلسطين، ما زالت هناك أرضٌ محتلة من قبل إسرائيل، وأسرى لبنانيون في سجونها، ونحن لا نتخلى عن أرضنا ولا ننسى أسرانا ولا نتركهم، ولا سلام من دون تحريرِ آخر شبرٍ من حدودِ أرضِنا، المعترفِ بها دولياً، والموثقة والمُثبتة والمرسّمة أممياً، ولا سلامَ من دون دولةِ فلسطين، ولا سلامَ من دون استعادةِ الحقوق المشروعة والكاملة للفلسطينيين، وهو ما تعهدنا به كدولٍ عربية منذ مبادرةِ بيروتَ للسلام سنة 2002، حتى إعلان الرياض في تشرين الثاني الماضي.”
وكان قد استهل عون كلمته قائلا: “قد أكون آخر الوافدين إلى مجلسكم، وهذا لا يخولني إعطاء الدروس عن فلسطين، موضوع قمتنا وأمانتن، ولكنني آتٍ إليكم من أربعين سنة ونيف، جندياً في خدمة وطني وشعبي وهذا ما يدفعني لاستئذانكم، لتقديمِ شهادةِ حياةٍ لا غير. لقد علّمني لبنانُ أولاً، أنّ فلسطينَ قضيةُ حق، وأنّ الحقَ يحتاجُ دوماً إلى القوة، وأنّ القوةَ في نضالات الشعوب، هي قوةُ المنطق، وقوةُ الموقف، وقوةُ إقناعِ العالم وقوةُ حشدِ تأييدِ الرأي العام، وقوةُ موازين القوى الشاملة، وعلّمني لبنانُ ثانياً، أنّ فلسطينَ قضيةٌ ثالوث: فهي حقٌ فلسطينيٌ وطني، وحقٌ عربيٌ قومي، وحقٌ إنسانيٌ عالمي، وأننا كلما نجحنا في إظهار هذه الأبعاد السامية لفلسطين، كلما نصرْناها وانتصرنا معها، بالمقابل، كلما حجّمناها وقزّمناها، إلى حدودِ قضيةِ فئةٍ أو جهةٍ أو جماعةٍ أو محور، وكلما تركنا فلسطينَ تُزجُّ في أزقةِ صراعاتٍ سلطويةٍ هنا، أو نزاعاتِ نفوذٍ هناك، كلما خسرناها وخسرنا معها.”
وأضاف: ” علّمتني حروبُ لبنان أيها الإخوة، أنّ البُعدَ الفلسطيني لقضية فلسطين، يقتضي أن نكون دائماً مع شعبِها أصلاً وفعلاً، أي أن نكونَ مع خياراته ومع قراراته، مع سلطاتِه الرسمية ومع ممثليه الشرعيين وأنْ نقبلَ ما يقبلُه شعبُها، وأن نرفضَ ما يرفضُه. وعلمتني حروب الآخرين في لبنان، أنّ البُعدَ العربي لقضية فلسطين، يفرضُ أن نكونَ كلُنا أقوياء، لتكونَ فلسطينُ قوية، فحين تُحتلُ بيروت، أو تُدمّرُ دمشق، أو تُهدّدُ عمّان، أو تئنُّ بغداد، أو تسقطُ صنعاء، يستحيل لأيٍ كان أن يدّعي، أنّ هذا لنصرة فلسطين.”
وشدّد على “أن تكونَ بلدانُنا العربية قوية، باستقرارِها وازدهارِها، بسلامِها وانفتاحِها، بتطورِها ونموِها، برسالتِها ونموذجيتِها، إنه الطريقُ الأفضلُ لنصرةِ فلسطين.”
وأضاف: ” كما أن سيادة لبنان الكاملة والثابتة، تتحصّن بالتعافي الكامل في سوريا، كما بالاستقلالِ الناجز في فلسطين، الأمر نفسه بالنسبة إلى كل دولة من دولنا، في علاقاتها وتفاعلها مع كل جار عربي، ومع كل منطقتنا العربية.”
وقال: ” أنا لبنانيٌ مئة بالمئة وعربيٌ مئة بالمئة وأفخرُ بالاثنين وأنتمي وطنياً ورسالياً إلى الاثنين وأما أن تكون فلسطين قضية حقٍ إنساني عالمي، فيقتضي أن نكون منفتحين على العالم كله، لا منعزلين، أصدقاء لقواه الحيّة، متفاعلين مع مراكز القرار فيه، محاورين لها لا محاربين، مؤثرين لا منبوذين، وهذا ما علمني إياه لبنان عن فلسطين، وهذا ما أشهد به أمامكم، أشهدُ به، بعدما تعهدتُ أمام شعبي، بعودةِ لبنانَ إلى مكانِه ومكانتِه تحت الشمس، وها أنا هنا بينكم، أجسّدُ العهد فها هو لبنانُ قد عادَ أولاً إلى شرعيته الميثاقية، التي لي شرفُ تمثيلِها.”
وأنهى قائلًا: ” إلى اللقاء، وحتى ذاك لكم من لبنانَ كلُ التحية وكلُ الأُخوّة.”
وكان الرئيس عون قد وصل الى مقر القمة عند الساعة الثالثة والثلث بعد الظهر، ودخل الى المدخل الرئيسي حيث كان في استقباله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وصافحه مطولا قبل ان يتم التقاط الصورة التذكارية، ليدخل بعدها رئيس الجمهورية الى قاعة المؤتمر.
ومن المتوقع ان تكون كلمة لبنان التي سيلقيها الرئيس عون، من بين أوائل الكلمات التي ستلقى.
الى ذلك، وعلى هامش الاجتماعات التي عقدت بين أعضاء الوفود المشاركة قبل بدء اعمال القمة، التقى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، نظيره السوري اسعد شيباني وعرض معه العلاقات اللبنانية- السورية.

