القائمة

إنتفاضة ضد المخدرات في مخيم برج البراجنة

قبل أسبوعين فقط لم تستطع وسيلتان إعلاميتان العثور على شخص يتحدّث عن ظاهرة المخدرات في مخيم برج البراجنة، خوفاً من ملاحقة العصابات المرتبطة بمروجي تلك الموادّ، بينما اجتمع يوم الاثنين المئات من ممثلي الروابط والمؤسسات والفاعليات بحثاً عن آليات لكبح جماح هذه الظاهرة، وردع مروجي المخدرات، فما الذي قاد إلى هذا التحوّل؟

تصادم بين مروجي المخدرات داخل المخيم وخارجه

مساء يوم الخميس اندلع اشتباك مسلّح بين مجموعات مسلحة من المخيم والجوار، على خلفية تجارة المخدرات، أدّت إلى سقوط قتيل وعدد من الجرحى، الأمر الذي تسبب بحالة هلع واسعة بين السكان. هذا الاشتباك يكشف حالة التداخل والتخادم بين مروجي المخدرات في داخل وخارج المخيم، وخصوصاً في منطقة الجورة عند الحدود الجنوبية للمخيم.

أما حالات التصادم فتتكرر أحياناً، وتثير الخشية أن يكون المروجون عامل تخريب أو تفجير للعلاقات اللبنانية الفلسطينية في الضاحية الجنوبية، وأن يجري استثمار التوترات لأهداف سياسية متصلة تحديداً بحزب الله، خاصة وأن موقع مخيم برج البراجنة هو في عين اللاعبين السياسيين، ولم تكن صدفة أن يبدأ تسليم هذا السلاح من هذا المخيم بالتحديد.

لذلك سارع اتحاد روابط البلدات الفلسطينية في مخيم برج البراجنة بدعوة “أبناء المخيم الذين يدميهم ويحزنهم ما جرى ويجري على ساحة المخيم من اقتتال وفساد ودماء وخراب حولت جحيمه المعيشي إلى جحيم مضاعف بفقدان الأمن والأمان، إلى لقاء موسع لكل من لديه أدنى مساهمة في إيجاد الحل والتصرف المناسب الذي تقع مسؤوليته على الجميع، لجان شعبية وفصائل وروابط ومشايخ ومؤسسات وعائلات وناشطين، الجميع مدعوون للقاء من أجل التداول وإطلاق موقف جماعي مسؤول”.

لماذا مخيم برج البراجنة؟

يُفضّل تجار المخدرات في بيروت استخدام المخيمات الفلسطينية ساحة لبيع المخدرات، نظراً للتراخي الأمني داخلها، وبعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية اللبنانية، ويمكن للزبائن اللبنانيين والفلسطينيين أن يلتقوا في هذه المساحة بحرية نسبية. وكان مخيم شاتيلا، لسنوات طويلة، النموذج الأمثل لهذه العصابات، نظراً لغياب القوى الأمنية الفلسطينية، وتعدد مشارب سكانه بين فلسطينيين وسوريين ولبنانيين وغيرهم، فلا غلبة لمجموعة سكانية عددياً، مما يخلق تناقض مصالح تستغلها عصابات المخدرات.

لكن في أيلول من العام الماضي اقتحم الجيش اللبناني أبرز أوكار المخدرات في المخيم المذكور، تبعه حضور أمني فلسطيني فاعل، ووقعت حينها حادثة مقتل اللبناني إيليو أبو حنا. هذه القبضة الأمنية دفعت تجار ومروجي المخدرات إلى البحث عن سوق آخر لبيع تلك الموادّ. وجرى اختيار مخيم برج البراجنة لعدة أسباب: ضعف القوة الأمنية بعد الخلاف السياسي الفصائلي حول تشكيلها، ووجوده في بيروت وهذا ما يسهّل عمليات الترويج ضمن الكتلة السكانية الأكبر.

وهناك من يضيف أسباباً أخرى، منها أن بعض تجار المخدرات استطاعوا اختراق بعض العناصر الفصائلية التي سهّلت عمل هؤلاء التجار، ويشير إلى أن السلطات اللبنانية ربما تغضّ الطرف عن تجارة المخدرات بالمخيمات في محاولة لضبط انتشارها في المناطق اللبنانية وحصرها ضمن “مساحات حرّة”، وللتخفيف من تحميلها المسؤولية عن واقع انتشار المخدرات في لبنان.

ويرى كثيرون أن فقدان مروجي المخدرات إلى حدّ كبير، أسواقهم في سوريا والدول العربية بعد سقوط النظام السوري نهاية عام 2024، دفعهم إلى التركيز على السوق المحلي، وخفض أسعار بضائعهم، مما أدى إلى زيادة في انتشارها بلبنان.

لقاء لمواجهة الظاهرة

تجمّع المئات من أهالي مخيم برج البراجنة في رابطة ترشيحا الاجتماعية لبحث سبل مواجهة ظاهرة تجارة وتعاطي المخدرات. وكان لافتاً النقد الواسع الذي ساقه الحاضرون لما اعتبروه تراخياً للفصائل الفلسطينية في مواجهة هذه الظاهرة، رغم أنها تضم المئات من العناصر المسلّحة.

وجرى طرح عدة أفكار لمواجهة هذه الظاهرة منها: تأسيس مجموعة تحت اسم “أمهات ضد المخدرات” على غرار بعض دول أميركا اللاتينية، وزيارة قادة الصف الأول بالفصائل للضغط عليهم لتشكيل قوة أمنية، ونصب خيمة اعتصام للاحتجاج على الوضع القائم ولتحقيق المطالب. ومن الطروحات الطلب من الأونروا جعل مادة التوعية من المخدرات مادة أساسية في مدارسها حسب الأعمار. خاصة أن هذا الطرح قد قُدّم للأونروا منذ سنوات ضمن خطة مفصلة.

وخلص اللقاء إلى تشكيل لجنة مصغرة لمتابعة المقررات، وتوجيه إنذار نهائي لمروجي المخدرات، والتوجه يوم الثلاثاء لإغلاق أوكار المخدرات، وإن لم يمتثل المروجون لتلك القرارات فإن إجراءات أكثر شدّة سوف تكون بانتظارهم حسب المجتمعين.

“انتفاضات سابقة”

يشير سكان مخيم برج البراجنة إلى محطتين تاريخيتين تحوّل فيهما تعاطي المخدرات إلى ظاهرة ترويج. الأولى عام 2004 حين تُوفي أحد شبان المخيم بجرعة زائدة من شراب السيمو الذي كان شائعاً حينها. وثار حينها السكان، واستطاعوا إقفال الصيدليات التي تبيع هذا الشراب، وكانت تحظى بحماية أمنية من أحد العناصر الفلسطينية.

المفاجأة كانت اكتشاف أن هذا العنصر مرتبط بالعقيد السوري المسؤول عن أمن الضاحية الجنوبية ومن ضمنها مخيم برج البراجنة، وهما في شراكة بالترويج للسيمو. فيتولى العقيد السوري إحضاره من سوريا، ثم يقوم العنصر الفلسطيني بتوزيعه. وقد أرسل العقيد السوري حينها إنذارات للفاعلين في هذه “الانتفاضة” للتوقف عن نشاطهم، بذريعة تهديدهم للأمن. لكن لعدة أسباب، منها حجم الكارثة، لم يرضخ هؤلاء للتهديد، وتوقف ترويج هذه المادة انطلاقاً من المخيم، وفُرضت رقابة على الصيدليات.

“الانتفاضة” الثانية، اندلعت عام 2020، حين استفحلت تجارة المخدرات انطلاقاً من المخيم، ووصل الأمر ببعض التجار أن سيطروا على أحياء كاملة. فتشكلت لجنة أمنية ضمت الفصائل الفلسطينية كافة، واقتحمت بيوت ومباني المروجين والتجار، واعتقلتهم، وسلّمتهم للأجهزة الأمنية اللبنانية خلال 24 ساعة. لكن بعد ذلك وقع خلاف داخل اللجنة الأمنية، مما سمح باستعادة بعض التجار لنشاطهم الذي لم يصل للمستوى السابق إلا خلال الأشهر القليلة الماضية.

قد يجد كثيرون أن فرصة تكرار التجربتين الماضيتين سانحة، فالمجتمع ما زال على رفضه للتطبيع مع ظاهرة المخدرات، والفصائل الفلسطينية يمكن أن تستجيب للضغوط المتصاعدة بتشكيل لجنة أمنية موحدة. كما أنه لا مصلحة لبنانية بالفوضى داخل مخيم يقع في الضاحية الجنوبية. فهل تنجح “الانتفاضة الثالثة”؟

-المدن – أحمد الحاج علي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *