ليست صالة الوصول في مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت مجرد مساحة تستقبل الطائرات والركاب، وليست أعداد الوافدين التي ترتفع يوماً بعد يوم مجرد مؤشرات إحصائية تُسجل في تقارير رسمية. هنا تبدأ الحكايات، وتُختصر المسافات، وتلتقي سنوات الغياب بلحظة عناق واحدة. ففي كل رحلة تهبط على أرض بيروت قصة، وفي كل مسافر رسالة ثقة بوطن ما زال قادراً على اجتذاب أبنائه وأصدقائه رغم كل ما مرّ به.
فالمشهد اليومي داخل صالة الوصول يتجاوز كونه حركة طبيعية في موسم الصيف؛ إنه تعبير واضح عن علاقة استثنائية تجمع اللبنانيين المنتشرين في العالم بوطنهم، كما يعكس استمرار جاذبية لبنان لدى السياح العرب والأجانب الذين اختاروا قضاء عطلتهم بين جباله وسواحله ومدنه، رغم الظروف الأمنية والسياسية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية.
ورغم آثار العدوان الإسرائيلي على الجنوب والبقاع وما خلّفه من خسائر وآلام، لم يتردد آلاف المغتربين في العودة إلى وطنهم، ولم تمنع التطورات الأمنية كثيراً من الزوار من الإصرار على زيارة لبنان. بالنسبة إلى هؤلاء، لم تكن الرحلة مجرد إجازة، بل موقف وجداني يؤكد أن الانتماء لا تهزمه الأزمات، وأن الوطن يُشارك في أفراحه كما في محنه.
داخل المطار تتكرر يومياً مشاهد تختصر معنى العودة. عائلات تنتظر أبناءها بلهفة، أطفال يركضون نحو أحضان أجدادهم، طلاب أنهوا عامهم الدراسي وعادوا مباشرة لتمضية الصيف بين أهلهم، ومغتربون يؤجلون أعمالهم في الخارج ليكونوا قريبين من عائلاتهم. وهناك أيضاً من غيّر وجهة سفره إلى إحدى الدول الأوروبية فور إعلان وقف إطلاق النار، مفضلاً العودة إلى لبنان للاطمئنان الى الأهل ومشاركتهم تفاصيل المرحلة الصعبة.
هذه المشاهد تؤكد أن صالة الوصول ليست مجرد بوابة عبور، بل مساحة تختلط فيها الدموع بالابتسامات، والحنين بالفرح، لتتحول إلى مرآة تعكس صورة لبنان الحقيقي، وطن ينهض كلما ظنّ كثيرون أن الازمات أنهكته.
ولا يقتصر أثر هذا المشهد على البعد الإنساني، بل يحمل دلالات اقتصادية وسياحية مهمة. فارتفاع أعداد الوافدين ينعكس مباشرة على حركة الفنادق والمطاعم والأسواق وقطاع النقل والخدمات، ويعيد ضخ السيولة في الاقتصاد اللبناني، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل فرصة لدعم دورة الإنتاج وتحريك الأسواق.
الأرقام تعكس هذا الواقع ، فقد بلغ عدد الوافدين إلى لبنان خلال شهر حزيران الماضي 254,027 وافداً، مقابل 187,372 مغادراً، في مؤشر يعكس تنامي حركة القدوم إلى البلاد، لا سيما بعد الحديث عن اتفاق وقف إطلاق النار. ومع بداية شهر تموز، تبدو صالات الوصول مرشحة لاستقبال مزيد من الوافدين اذ سجل وصول 99,761 الف وافد حتى يوم امس، مع ترقب تزايد اعداد الوفدين .
ويصل الزائرون هذا العام إلى مطار يشهد أعمال تطوير وإعادة تنظيم شملت عدداً من المرافق والخدمات، في إطار تحسين تجربة المسافرين ورفع مستوى الجهوزية لاستيعاب الحركة المتزايدة. كما أعادت معظم شركات الطيران العربية والعالمية جدولة رحلاتها إلى لبنان، في خطوة تعكس استعادة الثقة تدريجياً بحركة النقل الجوي إلى البلاد.
وفي خضم كل ذلك، يبرز الدور الذي أدته شركة طيران الشرق الأوسط خلال أصعب المراحل، إذ واصلت تشغيل رحلاتها عندما توقفت شركات عديدة عن تسيير رحلاتها إلى بيروت، محافظةً على الجسر الجوي الذي ربط لبنان بالعالم، ومؤمنةً عودة اللبنانيين وسفرهم في ظروف استثنائية.
ويبقى المشهد الأبلغ في مطار بيروت هو ذاك الذي لا يمكن للأرقام أن تترجمه. فكل وافد يحمل معه قصة شوق، وكل حقيبة تحمل هدية أو ذكرى، وكل عناق في صالة الوصول يروي حكاية وطن ما زال قادراً على جمع أبنائه مهما ابتعدت بهم المسافات. ولهذا، فإن الوافدين إلى لبنان ليسوا مجرد أرقام تُضاف إلى الإحصاءات، بل هم دليل متجدد على أن لبنان، رغم الجراح، لا يزال حاضراً في القلوب، وأن الأمل بالعودة إليه أقوى من الخوف، وأعمق من كل الأزمات.
-الوكالة الوطنية للإعلام – حلا ماضي

