منذ سنوات، يحاول البعض تحويل كلمة “اليمين المسيحي” إلى شتيمة سياسية، وكأن الدفاع عن سيادة لبنان، ورفض الفوضى، والتمسّك بفكرة الدولة، أصبح تهمة تحتاج إلى تبرير. يرفعون المصطلح وكأنهم يملكون حق تصنيف اللبنانيين بين وطنيين وغير وطنيين، فيما الحقيقة أن المشكلة لم تكن يومًا في من اختاروا الدولة، بل في من اختاروا مشاريع تتجاوز حدودها.
نعم، نحن يمين مسيحي. ولا نرى في ذلك عارًا ولا عقدة ولا تهمة. فالهوية السياسية لا تُقاس بما يحاول الخصوم إلصاقه بها، بل بما أنتجته على الأرض. والذين يريدون محاكمة هذا التيار عليهم أولًا أن يتذكّروا أي لبنان كان موجودًا عندما كانت الدولة هي المرجعية، والمؤسسات تعمل، والاقتصاد مزدهرًا، والجامعات والمصارف والسياحة تجعل من بيروت عاصمة يتطلع إليها الشرق.
لبنان لم يصل إلى مكانته التاريخية بسبب مشاريع السلاح والارتهان للخارج، بل لأنه امتلك نموذجًا مختلفًا: بلدًا مفتوحًا، متعددًا، قادرًا على التواصل مع العالم، تحكمه مؤسسات لا مراكز قوى، وقوانين لا أهواء، ودولة لا دويلات.
المفارقة أن الذين يهاجمون هذا الخط اليوم هم أنفسهم الذين ساهموا في إضعاف النموذج اللبناني. من يملك فائض قوة خارج الدولة لا يحق له إعطاء دروس في الوطنية. ومن حوّل لبنان إلى ساحة رسائل إقليمية، وجعل قراره مرتبطًا بعواصم خارجية، لا يملك أن يتهم الآخرين بالانغلاق أو العزلة.
أما وليد جنبلاط، الذي يكرر منذ سنوات التحذير من “أخطاء الماضي”، فربما حان الوقت للقول إن التاريخ لا يُقرأ بانتقائية. فلبنان لم يدفع ثمن وجود فكرة الدولة، بل دفع ثمن سقوطها. ولم تكن المشكلة يومًا في من طالبوا بحماية الكيان اللبناني، بل في من تعاملوا مع هذا الكيان كأنه مساحة مفتوحة لصراعات المنطقة.
من السهل أن يرفع البعض شعار “لا نريد العودة إلى الحرب”، لكن السؤال الحقيقي هو: من يمنع تكرار المآسي؟ هل هي دولة ضعيفة؟ أم سلاح خارج المؤسسات؟ هل هو قرار لبناني مستقل؟ أم مشاريع عابرة للحدود تضع لبنان في مواجهة لا تنتهي؟
اليمين المسيحي اللبناني لم يكن يومًا مشروع انعزال كما يحاول البعض تصويره. هو تيار نشأ من هاجس الحفاظ على لبنان ككيان مستقل، وعلى صيغة تعايش تحمي الجميع، وعلى نظام يسمح لكل مواطن بأن يكون شريكًا لا تابعًا. هو رفض أن يتحول لبنان إلى ملحق بأي محور، أكان تحت شعار القضية الفلسطينية أو المقاومة أو أي عنوان آخر.
نحن لا نخجل من تاريخنا السياسي. نفتخر بمرحلة كان فيها لبنان قادرًا على جذب العالم، وكان فيه اللبناني يصدّر المعرفة والإبداع بدل أن يصدّر أبناءه بحثًا عن مستقبل خارج وطنهم. نفتخر بزمن كانت فيه الدولة صاحبة القرار، لا الجهات المسلحة ولا أمراء الطوائف.
ومن يريد أن يختصر اليمين المسيحي بأنه “طائفي” فليجب عن سؤال بسيط: هل المطالبة بدولة عادلة هي طائفية؟ هل رفض السلاح غير الشرعي هو طائفية؟ هل الدفاع عن حياد لبنان هو طائفية؟ أم أن الطائفية الحقيقية هي أن يُطلب من اللبنانيين جميعًا الخضوع لمنطق فئة واحدة تملك قرار الحرب والسلم؟
حزب الله لا يواجه خصومه بالحجة السياسية، بل بمنطق القوة، لأنه يدرك أن قيام الدولة الحقيقية يسحب منه الدور الذي بناه خارج المؤسسات. لذلك فإن المعركة الأساسية ليست بين طوائف، بل بين مشروعين: مشروع يريد لبنان دولة طبيعية، ومشروع يريد إبقاءه ورقة في صراعات الآخرين.
أما نحن، فلا نطلب شهادة حسن سلوك من أحد. لا من أصحاب السلاح، ولا من أصحاب التسويات، ولا من الذين يبدّلون مواقفهم بحسب ميزان القوى. سنبقى متمسكين بفكرة لبنان الذي لا يحتاج إلى وصاية، ولا إلى حماية خارجية، ولا إلى جيوش موازية.
إذا كان الدفاع عن الجمهورية، والسيادة، والاقتصاد الحر، والمؤسسات، والقرار اللبناني المستقل يسمى “يمينًا مسيحيًا”، فنحن نقبل هذا الوصف بكل فخر.
لأن المشكلة لم تكن يومًا في من حلم بلبنان قوي بل في من رضي بلبنان ضعيفًا.
-نعيم القصيفي

