كلما جلست إيران إلى طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة، يخرج علينا حزب الله في لبنان برواية جديدة عنوانها “الانتصار”. لكن السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: أين هو هذا الانتصار؟
قبل أقل من ثلاث سنوات، قيل لنا إن “طوفان الأقصى” هي بداية معركة تحرير القدس وإن المنطقة دخلت مرحلة إزالة آخر احتلال في العالم. وقيل إن محور الممانعة يخوض حرباً تاريخية من أجل فلسطين. أما اليوم، فلا القدس حاضرة، ولا غزة حاضرة، ولا حتى حركة حماس أصبحت بنداً على طاولة المفاوضات.
في أي اتفاق يُفترض أنه انتصار، تُحفظ الأهداف التي خيضت الحرب من أجلها. لكن في الحالة الإيرانية، سقطت الأهداف الواحدة تلو الأخرى.
أين فلسطين التي دخلت إيران الحرب تحت شعارها؟ أين غزة التي قيل إن العالم سيتغير من أجلها؟ أين حماس التي قيل إنها رأس الحربة في مشروع التحرير؟ لا ذكر لأي من هذه العناوين، لأن الأولوية لم تعد فلسطين، بل حماية النظام الإيراني نفسه.
الحقيقة المؤلمة أن إيران لم تدخل المفاوضات لتثبيت انتصار، بل لتخفيف حجم الخسائر التي لحقت بها.
فالهدف الأميركي والإسرائيلي كان واضحاً منذ البداية: منع إيران من التحول إلى دولة نووية، وتقويض قدرتها على إدارة شبكة نفوذ عسكرية تمتد على مساحة العالم العربي.
والنتيجة أمام الجميع: في غزة، دُمّرت البنية العسكرية لحماس إلى حد كبير.
في لبنان، يتعرض حزب الله يومياً لضربات تستهدف بنيته العسكرية التي أمضى أربعين عاماً في بنائها، فيما فقد معظم قياداته العسكرية والسياسية الأساسية.
في سوريا، سقط النظام الذي شكّل لعقود الرئة الاستراتيجية للمشروع الإيراني.
وفي اليمن، بات الحوثيون تحت ضغط عسكري وسياسي غير مسبوق.
أما جنوب لبنان، الذي كان يُقدَّم على أنه جبهة تحرير فلسطين، فأصبح ساحة مفتوحة للغارات الإسرائيلية اليومية.
والحزب الذي كان يعد اللبنانيين بالصلاة في القدس، بات اليوم يطالب بوقف إطلاق النار في النبطية، المدينة التي وصلت إليها القوات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة.
أي انتصار هذا الذي ينتهي بتبديل الشعارات من “تحرير القدس” إلى “حماية ما تبقى”؟
الحقيقة أن المشروع الإيراني لم يكن يوماً مشروع تحرير فلسطين بقدر ما كان مشروع نفوذ إقليمي استخدم القضية الفلسطينية كعنوان تعبوي لتبرير تمدده العسكري في المنطقة. وعندما أصبح بقاء النظام الإيراني نفسه مهدداً، سقطت كل الشعارات دفعة واحدة.
فالدول عندما تنتصر توسّع نفوذها، لا تتخلى عن ساحاتها. والدول عندما تنتصر تفرض شروطها، لا تذهب إلى التفاوض بعدما خسرت معظم أوراق قوتها.
لهذا السبب، فإن أخطر ما يقوم به حزب الله اليوم ليس تسويق انتصار وهمي، بل محاولة إعادة كتابة التاريخ وفرضه على اللبنانيين.
فاللبنانيون يتذكرون جيداً كيف بدأت الرواية: إزالة إسرائيل، تحرير القدس، وحدة الساحات، وتغيير وجه الشرق الأوسط.
ويتذكرون جيداً كيف انتهت: تفاوض مع الولايات المتحدة، تراجع عن الشعارات، خسارة الأذرع الإقليمية، وتحويل الأولوية من فلسطين إلى إنقاذ النظام الإيراني.
المشكلة ليست في أن إيران تفاوض الولايات المتحدة، فالدول تتفاوض عندما تقتضي مصالحها ذلك. المشكلة في أن من أقنع الناس بأن هذه حرب وجودية من أجل فلسطين، يحاول اليوم إقناعهم بأن التخلي عن فلسطين هو أيضاً انتصار.
وهنا تسقط الرواية كلها، لأن الانتصار لا يُقاس بعدد الخطب التي تُلقى، بل بالأهداف التي تحققت.
ومن وعد بتحرير القدس، لا يستطيع أن يطلب من الناس الاحتفال لأنه نجح في إنقاذ نفسه.
فالفرق كبير بين مشروع كان يعد بتغيير الشرق الأوسط، ومشروع أصبح كل همه ألا ينهار.
-نعيم القصيفي

