القائمة

دموعٌ وخسائر.. عودة مُرّة إلى الجنوب

من أماكن نزوحهم، انطلقَ الجنوبيون إلى قراهم عائدين بمزيج من القلق والفرح. ومن نقطة الزهراني افترقَ العائدون، بعضهم اتّجه نحو النبطية وقراها والبعض الآخر نحو صور وضواحيها. ومع ذلك، لا زال شريطٌ واسعٌ من القرى المحيطة بالمدينتين، تحت سيطرة العدوّ الذي يمنع السكان من العودة.

يحمل العائدون في عيونهم تساؤلات لم تُنطَق دائماً، حول ما إذا كانت العودة دائمة، أو على الأقل لفترة طويلة. خصوصاً أنّ الإجابة تنطوي على جانب مادّي، عماده البحث عن آلية إصلاح البيوت والمحال المتضرّرة، وإعادة إعمار ما هُدِمَ كليّاً. وبين التساؤلات، واقع يقول إنّ العودة إلى الجنوب، مُرّة، لكن لا بدّ منها.

محاولة استعادة الحياة

غصّت طريق العودة إلى الجنوب بالسيارات التي بدأت بالتوافد منذ فجر يوم الاثنين، على أنّ الأفواج الأكبر تقاطرت منذ صباح يوم الثلاثاء، وتوزّعت على القرى. المشهد واحد، عائدون يراقبون قراهم من أمتارها الأولى جغرافياً إلى عمق أحاسيس أبنائها. بيوت مدمّرة بين الأحياء، وأخرى متضرّرة. وما نجا من القصف، احتاج إلى نفض الغبار والخوف، تمهيداً لمحاولة استعادة الحياة المؤجَّلة منذ آذار الماضي.

العائدون أجمعوا على أنّ العودة حقّ مقدَّس لهم، ولا يهمّ إلى أين يعودون، إلى بيتٍ أو خيمة أو ظلّ شجرة. لكن بين الشعور والواقع هوّة لا يمكن تجاهلها. فالبعض عاد إلى قريته ليجد بيته مدمّراً أمام عينه، ولمسُ بقايا الحجارة أصعب بكثير من رؤيتها بالفيديو. والأصعب، هو عدم القدرة على لمس الحجارة، بسبب السفر، وهو ما يعبّر عنه المغترب في ساحل العاج، داوود عيد، الذي دفعَ من عمره “نحو 25 عاماً في الغربة، لمحاولة تأمين مستقبل آمن وبناء بيت في بلدة معركة، يحتضن العائلة ويكون حجر أساس للأولاد ورابطاً يؤكّد صِلَتهم بوطنهم”.

ما حَلُم به عيد “راح بلحظة”. إذ إنّ غارة إسرائيلية على منزل مقابل، كانت كفيلة بـِ “قَتل الحلم”، وفق ما يقوله عيد الذي يشير لـِ “المدن”، إلى أنّ “الغارة لم تدمّر الحجر فقط، بل قتلت حلم العودة والاستقرار في لبنان”. ومحاولة استعادة الحياة بالنسبة إلى عيد “لم تعد سهلة. بل باتت شبه مستحيلة في ظل الواقع الذي يقول إنّ لبنان لم يعد آمناً، وتحديداً الجنوب المهدّد بالحرب في أية لحظة”.

إنهاء المبنى المؤلّف من 3 طبقات بينها منزل شقيقه “احتاج إلى 25 عاماً من الغربة، ولم يعد هناك في العمر 25 عاماً أخرى بظروف مناسبة لإعادة ما خسرناه”.

الخسارة كبيرة جداً في المبنى. 3 منازل “لا تقلّ كلفة الأضرار الأولية فيها عن 150 ألف دولار. هذا من دون احتساب الأكلاف التي قد تظهر بعد الفحص الهندسي لأساسات المبنى. فقد لا يستطيع الصمود لسنوات طويلة بعد ترميمه، خصوصاً في ظل جدارات الصوت التي تقوم بها طائرات العدوّ، أو احتمالات القصف في أماكن قريبة. ومعالجة أساسات المبنى، تحتاج إلى أكلاف هائلة، وقد لا يصمد المبنى طويلاً. ووسط هذه الخسائر، من غير المؤكّد ما إذا كانت هناك أية جهة ستدفع تعويضات لإعادة البناء”.

وتجربة عيد واحدة من التجارب التي أودَت بـِ “أكثر من 80 ألف وحدة سكنية مدمّرة كلياً، مسجّلة بين الحربين 2023-2024 والحرب الحالية”، وفق ما يقوله لـِ “المدن” الباحث والمحلل الإحصائي محمد شمس الدين.

خطوة بخطوة

بعض العائدين إلى مدينة صور وقراها، اتّجهوا مباشرة إلى ما توفّر من متاجر فتحت أبوابها لمحاولة تلبية بعض الاحتياجات الأساسية للعائدين الذين خَلَت بيوتهم ممّا يمكن أكله فور الوصول إليها. ورحلة البحث عن متاجر، كانت عبارة عن تنقّل إلزامي بين الركام والدخان الذي لا يزال يتصاعد من بعض الأبنية التي قُصِفَت قبل يوم من إعلان وقف إطلاق النار.

وكما التنقّل داخل القرى يأخذ شكل الخطوات البطيئة على سبيل الإحاطة بالمشهد العام ومحاولة استيعاب حجم الموت والدمار، فإنّ بعض أصحاب المتاجر، ولا سيّما أصحاب السوبرماركت، يحاولون النهوض خطوة بخطوة “عبر ما تبقّى من بضائع منذ ما قبل الحرب”، وفق ما يقوله أحد أصحاب المحال، حسن رومية، الذي يوضح لـِ “المدن” أنّ “أولوية العائدين إلى قراهم هي تنظيف بيوتهم التي نجت من القصف، لكنّهم أيضاً يحتاجون إلى قوتٍ يوميّ بما تيسّر، ولذلك، كان لا بدَّ من فتح أبواب السوبرماركت للمساهمة في تقليص الضغط على أهلنا العائدين”.

ومع ذلك، فإنّ رومية العائد أيضاً من مكان نزوحه في بلدة عين وزين في الشوف، لديه ما يقلقه، وهو الاضطرار للنزوح مجدداً، مع ما يحمله النزوح من معاناة نفسية واقتصادية. ورومية الذي اعتاد “تأمين بضائع تكفي لـ 6 أشهر”، يؤمّن اليوم بضائع تكفي “ليوم أو يومين بالحدّ الأقصى. لأنّ الأوضاع الأمنية غير مستقرة في الجنوب”. وللسبب عينه، يحافظ رومية على المستودع الذي استأجره في بلدة عين وزين، في بداية الحرب، لحماية بضائعه التي اضطرّ لإخراجها من المخازن في الجنوب.

ويشير رومية إلى أنّه “ما إن بدا لنا أنّ الحرب ستكون طويلة، سارعت إلى نقل البضائع من الجنوب، لتفادي الخسارة التي تُسَجَّل بفعل انتهاء تاريخ صلاحية بعض المواد، أو تلف بعضها الآخر بسرعة كالأجبان والألبان والبيض”. ورغم العودة راهناً “يبقى القلق موجوداً، فالحرب لم تنتهِ بعد. ولذلك، سننتظر حتى نهاية الشهر الجاري لنرى ما ستؤول إليه الأمور، فإمّا أن نطمئن ونوسّع عملنا في الجنوب، وإما أن نعود إلى أماكن نزوحنا ونحاول استئناف عملنا هناك، إذ لا يمكن البقاء بلا عمل وسط الأكلاف المرتفعة والخسائر التي تكبّدناها”.

هي عودة حذرة بفرح ودموع وخسائر وأصوات غارات في القرى التي لا تزال محتلة بشكل مباشر، أو مهدّدة بنيران العدوّ. هي عودة مُرّة، وتزداد مراراتها عند التفكير بأنّها قد تكون مؤقّتة، فيما بعض الجنوبيين يخاف من أنّ حجم الدمار والمؤشرات السياسية والأمنية، يُنذِر باحتمال تشديد الخناق عبر احتلال المزيد من القرى وتدميرها. وتالياً، مَن عاد إلى قريته اليوم، قد لا يعود إليها غداً.

-المدن – خضر حسان

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *