القائمة

من سيدفع فاتورة الحرب؟

في كل مرة تنتهي فيها حرب في لبنان، يبدأ النقاش نفسه: من سيعيد الإعمار؟ لكن السؤال الحقيقي الذي يتجنب كثيرون طرحه هو: من أوصل البلاد أصلًا إلى لحظة الدمار؟

اليوم، وبعد أشهر من الحرب التي دفعت مناطق واسعة من الجنوب ثمنها من منازلها ومؤسساتها وأرزاق أهلها، يعود الحديث عن مليارات الدولارات المطلوبة لإعادة البناء. الجميع يتحدث عن الأموال، لكن قلّة تتحدث عن المسؤوليات.

في الماضي، كان لبنان يستفيد من شبكة أمان عربية ودولية كانت تتدخل سريعًا لاحتواء الأضرار. بعد حرب تموز 2006 تدفقت مليارات الدولارات من الدول العربية ومن المجتمع الدولي. يومها كان هناك اقتناع بأنّ المساعدة ستساهم في تثبيت الاستقرار وإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.

أما اليوم، فالمشهد مختلف تمامًا. العالم لم يعد يسأل فقط عن حجم الأضرار، بل عن أسبابها. لم يعد يسأل فقط عن كلفة إعادة الإعمار، بل عن الضمانات التي تمنع تكرار الدمار. لم يعد مستعدًا لتمويل حلقة مفرغة تقوم على إعادة بناء ما يُهدم ثم إعادة هدم ما بُني.

وهنا تكمن العقدة الأساسية، فالمجتمع الدولي والدول العربية يربطون أي انخراط مالي واسع بإصلاحات فعلية وباستعادة الدولة اللبنانية لقرارها وسيادتها على كامل أراضيها. وهم يعتبرون أنّ المشكلة ليست تقنية أو مالية، بل سياسية في جوهرها.

كيف يمكن إقناع أي جهة بضخ مليارات الدولارات في بلد لا تملك حكومته وحدها قرار الحرب والسلم؟
كيف يمكن طلب الاستثمارات فيما المستثمر لا يعرف ما إذا كانت البلاد ستدخل غدًا في مواجهة جديدة؟
وكيف يمكن الحديث عن النهوض الاقتصادي فيما أحد أهم عناصر الاستقرار، أي احتكار الدولة للقوة العسكرية، لا يزال موضع نزاع؟
هذه الأسئلة قد تكون قاسية، لكنها موجودة على طاولة كل دولة وكل مؤسسة مالية تفكر بمساعدة لبنان.
المفارقة أنّ بعض القوى السياسية لا تزال تتعامل مع الملف وكأنّه مجرد عملية جمع أموال. وكأنّ المشكلة تكمن في نقص التمويل لا في الأسباب التي جعلت التمويل نفسه أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

الجنوب يحتاج إلى إعادة إعمار، وأهله يحتاجون إلى التعويض، والاقتصاد اللبناني يحتاج إلى أي فرصة للنهوض.
لكن قبل كل ذلك، يحتاج لبنان إلى إجابة واضحة عن سؤال أساسي: هل المطلوب إعادة بناء الحجر فقط، أم معالجة السياسات التي تسببت بسقوطه؟
لأنّ إعادة إعمار الأبنية ممكنة خلال سنوات.
أما إعادة إعمار ثقة العالم بلبنان، فهي المهمة الأصعب.
وهذه الثقة لا تُشترى بالأموال، بل تُبنى بالقرارات.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *