عمر حرفوش
نداء الوطن
ما جرى السبت في مطار القليعات لم يكن مجرد افتتاح مرفق عام جديد، بل كان مشهدًا نادرًا افتقده اللبنانيون لعقود: مشهد دولة تعمل، ومشروع يُنفّذ، وأمل يعود إلى منطقة اعتادت أن تُذكر فقط في لوائح الحرمان.
شاهد اللبنانيون في عكار، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، سجادة حمراء، وشاشات عملاقة، وطائرات خاصة تهبط في مطار واعد، بحضور رئيس الحكومة نواف سلام، ووزراء ومسؤولين ونواب وشخصيات اقتصادية وأمنية. لكن الأهم من كل المظاهر الاحتفالية كان ما ظهر على وجوه أبناء المنطقة: فرح حقيقي، وأمل حقيقي، وإحساس بأنهم يعيشون يومًا تاريخيًا طال انتظاره.
عكار ليست منطقة عادية. إنها ربما أكثر مناطق لبنان حرمانًا، وهي خزان الجيش اللبناني، وخزان أساسي للطائفة السنية، ومنطقة قدّمت عبر تاريخها أصواتها ودعمها لمعظم رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على السلطة. ومع ذلك، لم تحصل في المقابل على مشاريع إنمائية حقيقية توازي حجم تضحياتها أو أهميتها الوطنية. سمع أهلها وعودًا لا تُحصى، لكنهم نادرًا ما رأوا إنجازًا واحدًا يتحول إلى واقع.
لذلك، فإن أهمية مطار القليعات تتجاوز بكثير فكرة افتتاح مطار جديد. ما حصل هو إعلان بداية تحوّل اقتصادي واستراتيجي يمكن أن يغيّر وجه شمال لبنان لعقود مقبلة.
اللافت أن الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام، وبدعم من رئيس الجمهورية جوزاف عون، تبدو وكأنها اختارت التنفيذ بدلا من الخطابات. للمرة الأولى يشعر اللبناني بأن هناك جزءًا من الدولة يسير إلى الأمام بدلا من الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها.
مطار القليعات ليس مشروعًا محليًا فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى منصة إقليمية متكاملة. وبحسب الخطط الأولية المتداولة، من المتوقع إطلاق رحلات مباشرة إلى تركيا وإلى دبي عبر شركات طيران خليجية، ما يفتح الباب أمام عودة الاستثمارات والسياحة الخليجية إلى لبنان عبر بيئة تُعتبر أكثر استقرارًا وترحيبًا.
والأهم من ذلك أن المطار يقع على مسافة قصيرة من الساحل السوري. ففي الأشهر الأخيرة، شهدت المنطقة اتفاقات واستثمارات ضخمة بين مستثمرين خليجيين، وفي مقدمتهم إماراتيون، وبين رجال أعمال سوريين لتطوير الساحل الممتد بين طرطوس واللاذقية، وتحويله إلى وجهة سياحية عالمية على غرار ما فعلته الإمارات في الساحل الشمالي المصري، حيث تحولت منطقة كانت شبه مهملة إلى أحد أكبر مراكز الاستثمار والسياحة في الشرق الأوسط.
في هذه المعادلة الجديدة، يصبح مطار القليعات أقرب بوابة جوية طبيعية لهذه المشاريع، كما يصبح مرفأ طرابلس شريكًا لوجستيًا أساسيًا في حركة البضائع والاستثمارات وإعادة الإعمار. وإذا نجح شمال لبنان في استقطاب حتى نسبة متواضعة من هذه الاستثمارات الضخمة، فإن ذلك كفيل بإحداث ثورة اقتصادية حقيقية في طرابلس وعكار والمنية والضنية والكورة والبترون.
لكن نجاح هذا المشروع يتطلب استكماله بخطوات أخرى لا تقل أهمية.
أولًا، يجب الإسراع في ترسيم وتنظيم الحركة الحدودية الحديثة بين لبنان وسوريا، وإبرام اتفاقيات اقتصادية وتجارية تضمن انسياب البضائع والمسافرين والاستثمارات.
ثانيًا، يجب إعادة بناء جسر النهر الكبير وتوسيعه بما يتناسب مع حركة الشاحنات والكونتينرات والسياح المتوقعة خلال السنوات المقبلة.
ثالثًا، ينبغي استكمال مشروع ربط مطار القليعات بمرفأ طرابلس وشبكة السكك الحديدية التي يُعاد إحياؤها، بحيث تتكامل وسائل النقل المختلفة ضمن رؤية اقتصادية واحدة.
ورابعًا، لا بد من استكمال الأوتوستراد الساحلي شمال طرابلس وربطه مباشرة بالمطار والمرفأ، ما يسمح للسائح الذي يصل إلى القليعات بأن يكون في البترون أو جبيل خلال أقل من نصف ساعة، بعيدًا من ازدحام العاصمة ومشاكل مطار بيروت.
في عالم الاقتصاد الحديث، لم تعد المطارات مجرد مدارج للطائرات. مطار دبي حوّل الإمارة إلى مركز عالمي للتجارة والسياحة. ومطار إسطنبول الجديد أعاد رسم الخريطة الجوية بين الشرق والغرب. ومطار الدوحة كان حجر الأساس في صعود قطر كمركز إقليمي. وكل هذه النماذج بدأت بفكرة بسيطة: تحويل المطار إلى “Hub” اقتصادي متكامل يربط النقل بالسياحة والخدمات والاستثمارات.
هذا تحديدًا ما يمكن أن يصبح عليه مطار القليعات.
وفي المقابل، بينما نشاهد الشمال يفتح أبوابه للمستقبل، لا يمكن تجاهل المشهد المعاكس في الجنوب. فبينما تتجه عكار نحو الاستثمار والانفتاح وفرص العمل، لا يزال الجنوب يدفع ثمن الحروب والصراعات والمحاور العسكرية التي عطّلت التنمية لعقود طويلة. هناك مناطق تبني مطارات ومرافئ وشبكات نقل، ومناطق أخرى لا تزال منشغلة بإعادة إعمار ما دمرته المواجهات.
لهذا يبدو المشهد اللبناني اليوم وكأنه مفارقة قاسية: الشمال ينتعش لأنه اختار الاقتصاد، فيما الجنوب يحتضر لأنه ما زال أسير منطق الصراع.
لبنان الذي نريده هو لبنان القليعات لا لبنان المتاريس. لبنان المشاريع لا لبنان الشعارات. لبنان الذي يستقبل المستثمرين والسياح والطائرات، لا لبنان الذي يطرد أبناءه إلى الهجرة ويغلق أبوابه أمام المستقبل.
وإذا كان يوم السبت قد أثبت شيئًا، فهو أن اللبنانيين، عندما يرون مشروعًا حقيقيًا، يستعيدون فورًا قدرتهم على الحلم.

