كشف مصدر سياسي لبناني مطلع لـ”إرم نيوز” أن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري بات يتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها الأخطر على موقع الطائفة الشيعية داخل الدولة اللبنانية منذ عقود، مشيرا إلى تصاعد مخاوف بري من أن يؤدي استمرار المواجهة المفتوحة بين حزب الله وإسرائيل من جهة، ومع الدولة اللبنانية من جهة أخرى، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة، إلى عزل سياسي واقتصادي طويل ينعكس على البيئة الشيعية بأكملها، لا على الحزب وحده.
وبحسب المصدر، فإن بري لا يتحدث بلغة التخلي عن حزب الله أو فك التحالف معه، لكنه بات أكثر ميلاً إلى التهدئة وكبح جموح الحزب، لمنع أي انفجار داخلي، انطلاقاً من قناعته بأن لبنان لم يعد يحتمل لا حرباً جديدة مع إسرائيل ولا صداماً داخلياً حول ملف السلاح.
ويقول المصدر إن “بري يعتبر أن حماية الدولة اللبنانية أصبحت جزءاً من حماية الشيعة أنفسهم، لأن انهيار الدولة أو عزل لبنان عربياً ودولياً سيصيب البيئة الشيعية مباشرة”.
تمايز في إدارة الأزمة
ورغم استمرار التنسيق السياسي بين حركة أمل وحزب الله، يشير المصدر إلى وجود تمايز واضح في طريقة إدارة المرحلة الحالية.
فبينما يواصل حزب الله رفع سقف خطابه السياسي والإعلامي، خصوصاً بعد تصريحات أمينه العام نعيم قاسم حول رفض أي نقاش يتعلق بالسلاح، يتحرك بري في اتجاه أكثر براغماتية يقوم على احتواء الضغوط ومنع انتقال الأزمة إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
وبحسب المصدر السياسي، فإن بري أبدى اعتراضاً واضحاً في الكواليس على أي خطاب يوحي بإسقاط الحكومة أو شل مؤسسات الدولة، لأنه يعتبر أن أي انهيار حكومي أو أمني سيقود إلى فوضى شاملة لن يكون أحد قادراً على ضبطها.
كما يشير المصدر إلى أن رئيس البرلمان اللبناني بات أكثر اقتناعاً بأن ميزان القوى الإقليمي تغيّر بصورة كبيرة بعد الحرب الأخيرة، وأن التعامل مع المرحلة الجديدة بعقلية ما قبل 2024 قد يؤدي إلى خسائر أكبر على الحزب والطائفة الشيعية معاً.
رسائل أمريكية وضغط متصاعد
في المقابل، تكثفت خلال الأسابيع الماضية الاتصالات الأمريكية والغربية مع بري، باعتباره الشخصية اللبنانية الأكثر قدرة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع حزب الله دون تفجير الوضع الداخلي.
وتقول مصادر لبنانية إن الرسائل الغربية الأخيرة ركزت على نقطتين أساسيتين: منع عودة الجنوب إلى ساحة اشتباك مفتوحة، وربط أي مسار جدي للمساعدات وإعادة الإعمار بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرة أكبر على القرار الأمني والعسكري.
وبحسب المصادر، يحاول بري تسويق مقاربة تقوم على “التدرج والتهدئة” بدلاً من الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله، لأنه يعتبر أن أي محاولة لكسر الحزب بالقوة ستؤدي إلى انفجار داخلي واسع وانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة.
لكن في المقابل، يشعر حزب الله بأن الضغوط الحالية تتجاوز مسألة وقف النار أو ضبط الجنوب، وتمثل محاولة لإعادة إنتاج معادلة لبنانية جديدة تقلص نفوذه تدريجياً داخل الدولة.
بري يدرك أن المرحلة تغيّرت
ينقل المصدر السياسي اللبناني عن برلمانيين في “حركة أمل” أن رئيس مجلس النواب نبيه بري بات يدرك وأكثر من أي وقت مضى، حجم التحولات الإقليمية والدولية المحيطة بلبنان.
ويقول هؤلاء صراحةً إن “المجتمع الدولي والولايات المتحدة لم يعودوا مستعدين للتعامل مع الصيغة القديمة نفسها التي كان فيها حزب الله يملك قرار الحرب والسلم بينما تتحمل الدولة اللبنانية الكلفة السياسية والاقتصادية”.
ويقول المصدر نقلا عن هؤلاء إن “بري لا يريد الدخول في مواجهة مع حزب الله، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن استمرار التصعيد الحالي قد يقود إلى عزل لبنان بالكامل، وإلى تحميل البيئة الشيعية كلفة سياسية ومالية طويلة”.
ويشير المصدر إلى “وجود تمايز واضح داخل الثنائية الشيعية في إدارة الأزمة، حتى لو لم يتحول إلى خلاف علني. بري يتحرك بعقلية حماية الدولة والتوازنات الداخلية، بينما لا يزال الحزب يتعامل مع جزء من المشهد بعقلية الصراع المفتوح”.
ويعتبر المصدر أن أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس فقط احتمال الحرب، بل احتمال انهيار التسوية الداخلية إذا فشلت محاولات التهدئة واحتواء الضغوط الدولية.
في الكواليس اللبنانية، لم يعد النقاش يدور حول انتصار أو هزيمة بقدر ما يدور حول كيفية منع الانهيار الكبير. فالدولة اللبنانية تحاول استعادة جزء من قرارها، والضغوط الأمريكية والعربية تتصاعد، فيما يشعر حزب الله أن البيئة الإقليمية التي سمحت له بالتمدد خلال العقدين الماضيين تتغير بسرعة.
أما نبيه بري، فيبدو أنه يحاول الإمساك بالخيط الأخير قبل أن تتحول الأزمة الحالية إلى مواجهة داخلية مفتوحة قد تعيد رسم توازنات لبنان لسنوات طويلة.
-ارم نيوز

