القائمة

رئيس الجمهورية والانقلاب على النظام

سامر زريق
نداء الوطن
بعدما أدخل “حزب الله” برهاناته الخاطئة والعابرة للمصلحة الوطنية “العهد” في عنق الزجاجة، ها هو رئيس الجمهورية يبرّ بمخرجات خطاب قسمه، ويستعيد زمام المبادرة عبر توظيف “المومينتوم” الدولي الذي دفع بلبنان نحو الواجهة، لإخراجه من دائرة الصراع والمحاور، وتكريس توازنات جديدة تنسجم مع التحولات، وتتيح تثبيت موقع الدولة، وفتح مسار الانتقال الهادئ نحو الحياد الإيجابي.

منذ دخوله بعبدا كان الرئيس جوزاف عون يدرك أن التحدي الأكبر لعهده هو “حزب الله”، ليس فقط بما يمثل من مشروع إقليمي جريح يئز غضبًا، بل كذلك لإمساكه بمفاتيح النظام، ونجاحه خلال سنوات وصايته في إنتاج نموذج هجين لنظام معقم يعمل في خدمته، ويشكل استمرارًا محدثًا للنسخة المشوهة عن “الطائف” التي أرساها حافظ الأسد.

هذا النظام المعقم يرتكز على ثنائية “الدويلة – الدولة”، بحيث تمتلك الأولى القرار، فيما الثانية خادم أمين لمشروع الملالي التوسعي ومصالحه الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويتبادلان الأدوار عند اللزوم ضمن آليات تدار بضوابط صارمة، كما هي الحال في إيران عبر “بيت المرشد”، بما يجعل وظيفة الدولة أقرب إلى الإطار البلدي أو الجمعيات الإغاثية.

تعامل الرئيس جوزاف عون مع هذا التحدي الصعب بروحية رجل الدولة المسؤول. فلم ينحُ إلى قلب الطاولة، بل فتح حوارًا مباشرًا مع “الحزب”، وقنوات حوارية موازية، لدفعه نحو “كنف الدولة” ضمن مسار بدا أنه شبه مستحيل، لكنه سخر وهج انتخابه لجعله ممكنًا لقناعته بأنه أقل كلفة لجميع الأطراف، وللتأكيد أن الدولة هي ضمانة وحاضنة الجميع، حيث لا يجب أن يشعر الشيعة خصوصًا بأنهم دروع بشرية ضمن حسابات إقليمية، وصراعات جيوسياسية لا تعرف النهاية.

غير أن “الحزب” غدر برئيس الجمهورية وبحلفائه وحاضنته مرتين وأكثر، وأعطى كل البراهين بأنه مجرد قاعدة نفوذ إيرانية، يحركها المركز في طهران حتى ضمن صراعاته البنيوية، وأنه يستخدم هويته اللبنانية ضد الثوابت الوطنية. وفي لحظة تهديد وجودي لفكرة الدولة، وبينما لا يسعه الاستمرار بالسياسات نفسها لأنها ستقود إلى تكرار النتائج الراهنة بأنماط “زلزالية”، يتصدّى رئيس الجمهورية لعملية إعادة تشكيل شخصية النظام، والتقاط الفرصة من أجل الانتقال بالدولة من إدارة الأزمات إلى إدارة الصراع كقوة سياسية محدودة الوزن، لكنها على الأقل موجودة على الطاولة، ولديها القدرة على تقوية حضورها وموقفها عبر مظلة تحالفات عربية وإقليمية.

وبالتالي يمكن القول إن الرئيس جوزاف عون يقود بصلابة عملية الانقلاب على النظام القديم. ويتدرّج في مواجهة حملات وضغوط “الحزب”، ومَنْ خلفه، ويستلّ من جعبته الأسلحة التي تناسب كل معركة على قاعدة “لكل مقام مقال”. وفي موازاة العمل على تحصين موقف الدولة الداخلي عبر حشد الدعم من الهيئات والهياكل المؤسسية الدينية والاجتماعية والاقتصادية، يتبنى رئيس الجمهورية خطاب مواجهة يرتكز على تعرية موقف “الحزب”.

بدءًا من ضد خديعة الإجماع على التفاوض بالسؤال عن الإجماع على الحرب، وبتوصيفها ضمن “حروب الآخرين على أرضنا”. مرورًا بالرد على التخوين بإعادة تعريف مصطلح الخيانة “من يأخذ بلاده إلى الحرب لمصالح خارجية”، وأهمية هذا الموقف هو في صدوره عن رأس الحكم في البلاد للمرة الأولى منذ “الطائف”، بما يجعل “الحزب” في وضعية الخائن بشكل نظامي.

وصولا إلى المواجهة الناعمة مع رئيس البرلمان من خلال التأكيد أن الدولة لم ولن تغطي أي اعتداءات على شعبها، والتذكير بأن حرية الحركة وافق عليها “الحزب” نفسه وإيران. والأهم أن استخدام وقف النار كأداة ضغط ثقيلة وشرط شارط لتطوير المفاوضات مع إسرائيل، ينسفه تفاوض الرئيس بري بتكليف من “الحزب” وطهران “تحت صرير الصواريخ والمسيرات”.

غير ذلك، لا يمكن إغفال أن رئيس الجمهورية يجبه نوعًا من التحالف التخادمي بين “الحزب” وإسرائيل، حيث يلاحظ أن تطور التصعيد الإسرائيلي يرتبط بمواقف بعبدا من إدانة الاعتداءات إلى رفض الاجتماع بنتنياهو قبل بلورة خارطة طريق واضحة تكون فيها الدولة شريكًا فاعلا لا تابعًا وهنا بيت القصيد، وسبب التهديد المزدوج بالاغتيال.

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *