جويس عقيقي
نداء الوطن
“على قاعدة الميّ بتكذب الغطّاس” وضع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حدًّا لكل التأويلات، أكثر من ذلك رسم حدًّا أيضًا لكل كلام لرئيس مجلس النواب نبيه بري كان يقول فيه إنه ضد التفاوض المباشر وإنه يرفض هذا المسار.
فـ “مياه عون” كذّبت “برّي الغطاس”، حيث صرّح رئيس الجمهورية علنًا أمام وفد الهيئات الاقتصادية: “في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، بعكس ما يحكى في الإعلام”.
هذا الكلام أزعج بري الذي حاول مرارًا وتكرارًا أن يتنصّل علنًا من أنه “ماشي بالمفاوضات” كما قالت أكثر من مرة مصادر مطلعة لـ “نداء الوطن”.
كلامٌ رئاسي آخر أزعج بري وهو قول عون إن “من ينتقد موافقة لبنان على البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءتها على لبنان، أقول له إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو نفس النص الذي اعتمد في تشرين الثاني 2024 والذي وافق عليه جميع الأطراف في حينه وهو بيان وليس اتفاق، لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات”.
وبذلك يكون عون أكد أولا أن بري نفسه كان شريكًا في قبول هذا البيان وتبناه، وثانيًا، أن برّي كان سبّاقًا في إعطاء حرية الحركة للإسرائيلي هو ومعه “حزب الله” في اتفاق وقف النار الأول الذي حصل في تشرين الثاني عام 2024، ويومها لم يكن عون رئيسًا للجمهورية أصلا.
كلام عون المتقدم والواضح هذا، أثار غضب بري الممتعض من كشف عون كواليس المحادثات، أو بعبارة أوضح ما يحصل “تحت الطاولة” الذي يختلف عما يقال في العلن، فما كان من برّي إلا أن رد على رئيس الجمهورية ببيان، مذيّل بتوقيع مكتبه الإعلامي، أشبه ببيان تكذيبي لكلام عون فقال: “مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، إلا أن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق تشرين الثاني عام 2024 وموضوع المفاوضات”.
باختصار، رئيس الجمهورية كشف أن بري شريك أساسي في القرارات المصيرية للبلاد وتحديدًا في ملف المفاوضات بعكس ما يحاول الإيحاء به رئيس المجلس. وأمام هذا التراشق الكلامي بين الرئاسة الأولى والرئاسة الثانية والتشنج المتصاعد بينهما لم يعد موضوع اللقاء الثلاثي المطروح في بعبدا قائمًا حتمًا، أقله في الساعات المقبلة، وأصلا برّي كان اشترط على عون وقفًا كاملا لإطلاق النار مقابل مشاركته في لقاء بعبدا، وأبلغ بري عون أن التصعيد الإسرائيلي جنوني وهو لا يخدم الجو التفاوضي. علمًا أن تأجيل لقاء بعبدا الأربعاء إلى موعد غير محدد جاء نتيجة اتصال هاتفي ثلاثي بين عون وبري وسلام اتفقوا فيه على التأجيل لسببين، السبب الأول معلن وهو التصعيد الإسرائيلي والسبب الثاني غير معلن وهو عدم استعداد بري وتردده في المشاركة في الاجتماع تحسبًا لأي موقف قد يحرجه مع بيئته.
وربما هذا ما يفسر سبب امتعاض برّي من كلام رئيس الجمهورية، فهو يحرجه تجاه جمهوره ويجعله شريكًا في مسار السلام، والسلام، للأسف، في عقيدة “حزب الله” & Co. عمالة!
على أي حال، “بري ما بيحملها” قالها مصدر مطلع على الاتصالات لـ “نداء الوطن” صباح أمس وفعلا “ما حملها بري” فأصدر بيانًا تكذيبيًا للرئيس عون.
هذا لبنانيًّا، أما إسرائيليًّا، فكان لافتًا ما أعلنته الاستخبارات الإسرائيلية لناحية أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل قد تضع حياة رئيس الجمهورية جوزاف عون في خطر!
هذا الأمر يؤخذ على محمل الجد في قصر بعبدا “لكن هذا لا يعني أن الرئيس عون في وارد التراجع عن قراراته ومواقفه” كما تقول مصادر مطلعة في وقت يقول أحد زوار الرئيس عون لـ “نداء الوطن: “الرئيس قبضاي ومكمّل ولا شي بخلّيه يتراجع، والله يحميه!”.
وربما العبارة الأخيرة: “الله يحميه” يرددها اليوم معظم اللبنانيين، لا كمجرد عبارة فقط بل كصلاة لرئيسٍ قال في الجلسة الوزارية الأخيرة: “بفضل إنقذ بلدي ولو سبّني البعض وخوني على إني شوف بلدي عم يتدمر وما أعمل شي ويزقفلي البعض الآخر!” …

