القائمة

أنفاق “الحزب”.. هكذا نمت الدولة البديلة تحت الأرض

نداء الوطن

فيما كان لبنان يعيش ويتنفس وتصاغ سياساته وصراعاته فوق الأرض، كان هناك لبنان آخر يحفر ويتسلح ويتوسع تحت الأرض ليصبح دولة بديلة تبني قدراتها العسكرية واللوجستية والبشرية خارج الأطر التقليدية. بين “لبنان المرئي” و “لبنان الخفي” تشكلت على مدى أربعين عامًا ونيف، صورة بلد يعيش ازدواجية غريبة: بلد على السطح يسعى للحياة والازدهار، وآخر في الأنفاق يتحضر للموت ويستعد لاحتمالات الحرب.

تفجير شبكة الأنفاق الأخيرة في بلدة القنطرة الجنوبية الذي أعلنت عنه إسرائيل وما سبقه من انفاق مكتشفة بين لبنان وسوريا أخرج الى العلن بعض ما كان خفياً تحت الأرض وكشف وجهاً مخيفاً للدويلة ما كان أحد يعرف له ملامح.

لبنان العائش تحت الأرض، وقبله غزة وإيران، أظهر بعدًا آخر للحروب، فما عاد البر والبحر والجو ميدانًا لها بل دخلت المساحات الخفية تحت الأرض قلب الصراع. صارت الأنفاق ملعبًا للمقاتلين وحصنًا ومنطلقًا سعوا من خلالها لخوض معارك تعيد التوازن المفقود. أنفاق أنشأها “حزب الله” على مدى عقود واستمر في تطويرها وتوسعتها، وكان مقدرًا لها أن تلعب أدوارًا عسكرية كبرى تصل إلى ما خلف الحدود جنوبًا وشرقًا وشمالًا. فماذا نعرف عن هذه الأنفاق ودورها؟ وكيف يمكن وضعها في المسار التاريخي لحروب ما تحت الأرض؟

في بيان له أعلن الجيش الإسرائيلي أنه عثر خلال الأسابيع الأخيرة على مسارين رئيسيين تحت الأرض يبلغ طولهما الإجمالي نحو كيلومترين، ويمتدان على عمق يصل إلى 25 متراً داخل الأرض.وتعد هذه الأنفاق “أكبر وأهم مسار تحت أرضي كُشف حتى الآن في لبنان، وذلك ضمن عملية واسعة للكشف عن أنفاق حزب الله وتدميرها خلال الأسابيع الأخيرة”.

وقد تم تفجيرها ب 450 طناً من المواد المتفجرة في عملية معقدة هندسياً حسب البيان بسبب عمق الأنفاق وطولها وطبيعة الصخور الصلبة التي حُفرت داخلها حيث حفرت في منطقة جبلية وعرة بين أودية وتلال ما يتيح التحرك سراً واستغلال الغطاء النباتي للتمويه، الأمر الذي جعل عملية العثور عليها أكثر تعقيداً.

من فيتنام إلى غزة فلبنان
في القرن العشرين، بدأت الأنفاق تتخذ أهمية استراتيجية في الحروب غير المتكافئة بين القوات العسكرية النظامية والفئات الأضعف سواء كانت ميليشيات أو مقاومة أو جيوشًا ضعيفة واستطاعت أن تقلب المعادلات وتتحول إلى سلاح يهدد الجيوش النظامية وأساليبها في الحروب. وتجلى هذا الأمر في حرب فيتنام حيث بنى الفيتكونغ شبكة أنفاق واسعة ومتشعبة عرفت باسم Cu Chi شكلت منظومة حياة متكاملة تحوي مستلزمات الحياة والطبابة والصمود مكّنت الفيتكونغ من مواجهة الجيش الأميركي والصمود في وجهه. تحوّل نجاح استراتيجية الأنفاق في فيتنام إلى نموذج يحتذى به في كثير من النزاعات اللاحقة من أفغانستان إلى العراق وغزة وسوريا ولبنان. وتطور دور الأنفاق وما عادت خيارًا رديفًا لوسائل القتال التقليدية، بل جزءًا من بنية الحرب نفسها. وشهدت القيادة العسكرية تحوّلاً مفصليًا من التواجد فوق الأرض إلى التحصّن تحتها لتأمين بيئة قتالية شديدة التحصين تشمل: غرف القيادة، مستودعات ذخيرة، ممرات آمنة، شبكات اتصال ومراكز إسعاف. وكلها مزودة بالطاقة والتهوئة لتمكن مستخدميها من الصمود لأطول وقت.

في حرب غزة، لعبت الأنفاق دورًا محوريًا، وفق ما يشرح لـ “نداء الوطن” خبير عسكري متقاعد وجسّدت هذا المفهوم الجديد للحرب حيث قامت مدينة مخفية تحت الأرض تمتد على شبكة مترابطة من مئات الكيلومترات استخدمت كقواعد لانطلاق العمليات العسكرية والضربات الصاروخية، كما لإخفاء المقاتلين وحمايتهم من القصف البري والجوي. وساعدت الجغرافيا والجيولوجيا في توسيع شبكة الأنفاق الغزاوية حيث لم تشكّل التضاريس المسطحة عوائق تذكر أمام الحفر. وصعّبت هذه الأنفاق عمليات اقتحام المدن من قبل الجيش الإسرائيلي، وساهمت في إطالة القدرة على المقاومة. لكن الأسلحة الحديثة القادرة على الرصد الحراري ورصد كثافة الأرض ودراسة الصدى وغيرها من العناصر الفيزيائية والتكنولوجية، ساعدت على كشف مواقع الأنفاق وامتداداتها.

لبنانيًا، تعتبر الأنفاق التي بناها كل من “حزب الله” وقبله الفصائل الفلسطينية، امتدادًا لهذا المسار أو في بعض الأحيان تمهيدًا له. ولكن أنفاق لبنان اختلفت في بنيتها عن أنفاق غزة، ففي حين أن هذه الأخيرة شكلت شبكة متكاملة متصلة، فإنها في لبنان لم ترقَ إلى حدود الشبكة، وفق ما يقول الخبير العسكري المتقاعد، وذلك بسبب التضاريس اللبنانية الصعبة وطبيعة الأرض الجيولوجية وطبقاتها الصخرية، إضافة إلى امتداد المساحة وتوزعها على قطاعات مختلفة. وإلى ذلك، تضاف تعقيدات بشرية وسكانية ومجتمعية وسياسية حيث يصعب الحفر في بعض المناطق نظرًا إلى الكثافة السكانية مثلاً، أو إلى طبيعة القرى والبيئة التي ترفض هذا النوع من التحصينات العسكرية…

أنفاق عابرة للحدود
منذ حرب 2006، بدأت تتكشف بشكل واضح أهمية استخدام “حزب الله” الأنفاق، لكنها في الحربين الأخيرتين أخذت بعدًا أكبر ودورًا عسكريًا يجمع بين التسلل والهجوم والدفاع. وأفاد تقرير كشفته صحيفة “يسرائيل هيوم” نقلاً عن خبراء في معهد “ألما للدراسات الأمنية” أن “حزب الله” استطاع أن يطوّر شبكة أنفاق معقدة بدعم من إيران وكوريا الشمالية أكثر تطورًا من تلك المكتشفة في غزة. ووفق شروحات عسكرية، تقسم هذه الأنفاق إلى عدة أقسام: منها الأنفاق العابرة للحدود وهي تعتبر من الجيل القديم وتعود إلى ما قبل العام 2019، وقد أعيد تسليط الضوء عليها خلال حرب 2024 وتنطلق من بلدات جنوبية حدودية وتشكل خطة التسلل إلى الجليل ومستوطنات الشمال في أي حرب واسعة. وبعض هذه الأنفاق كان مزودًا بوسائل نقل وسكك وتجهيزات لوجستية. وكانت إسرائيل قد أشارت إلى أن الهدف منها كان تمكين قوات النخبة مثل “قوة الرضوان” من التسلل إلى شمال إسرائيل والسيطرة على مواقع عسكرية ومستوطنات.

أما النوع الآخر من الأنفاق، فهو “أنفاق استراتيجية دفاعية” وفق ما يطلق عليها عسكريًا، تربط بين مناطق انتشار “الحزب” وتمتد لمئات الكيلومترات بين القرى وفي الجبال والتلال تؤمن الحماية للمقاتلين من القصف الجوي وتتيح القيام بعمليات عسكرية مباغتة وحركة غير مكشوفة بين المواقع، إضافة إلى دورها في تخزين الصواريخ والأسلحة. وهذه الأنفاق أو المخازن تحت الأرض استخدمها “الحزب” كما استخدمتها قبله المنظمات الفلسطينية المعارضة مثل “الجبهة الشعبية – القيادة العامة” في قوسايا وغيرها حيث كان يتم وقتها اتخاذ مقالع الصخور تمويهًا وتغطية لحفر الأنفاق.

وأشار التقرير الإسرائلي إلى أن البنية التحتية تحت الأرض تشمل منشآت متكاملة من غرف قيادة ومستودعات أسلحة و عيادات ميدانية ومنصات إطلاق صواريخ مخفية تم تصميمها وبناؤها بمساعدة مهندسين من إيران وكوريا الشمالية وتحت إشراف جهات تابعة لـ “حزب الله” مثل “جهاد البناء”.
نظام متكامل تحت الأرض
يعكس هذا النظام، وفق التقرير الإسرائيلي، استراتيجية متكاملة للحرب تحت الأرض تهدف إلى تأمين الحماية، وتعزيز القدرة الهجومية، وضمان استمرارية القتال في حال اندلاع مواجهة واسعة على الجبهة الشمالية. وكان “حزب الله” قد كشف بنفسه في آب 2024 عن منشأة عسكرية ضخمة تحت الأرض حملت اسم “عماد 4″، وكان يتوخى حينها إظهار جهوزيته العسكرية وقدرته على الردع، وحمل الفيديو عنوان “جبالنا خزائننا”، في دلالة على ما تحويه الجبال من أنفاق ومخازن أسلحة مستترة. وجرت تكهنات عديدة حول موقع هذا النفق المحفور عميقًا في الصخور والذي يمكن لشاحنات ضخمة أن تسير داخله، كما أظهر قواعد صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول كما قيل إلى عمق الأراضي الإسرائيلية… وبعد الإعلان عن هذا النفق الذي أريد له أن يكون بحد ذاته قوة ردع تم التسويق لمنشأة أخرى تحمل اسم “عماد 5”.

لكن الأنفاق التي بناها “حزب الله” لم تستطع أن تؤمن له الحماية المتوخاة، إذ استطاعت اسرائيل في حرب 2024 تدمير أعداد كبيرة منها، كما استطاع الجيش اللبناني بعد إعلان وقف النار، وبحضور وسائل إعلامية محلية وعالمية، الكشف عن حوالى 74 نفقًا جنوب الليطاني وتحديدًا عند الحدود الجنوبية، ولا سيما في مناطق تولين وجويا ووادي جيلو وزبقين وغيرها بعد أن تسلّمها واستطاع تفكيك منشآتها. وكان الهدف من الكشف الإعلامي عن هذه الأنفاق، إثبات قدرة الجيش على “تنظيف” منطقة جنوب الليطاني من الأسلحة وتفكيك البنى العسكرية فيها بناء على طلب لجنة الميكانيزم حينها.

أثبتت حرب 2026 وجود عدد كبير من الأنفاق الواقعة جنوب الليطاني لم يتم الكشف عنها أو تسليمها للجيش اللبناني، وكان معظمها وفق الخبير العسكري المتقاعد، قد أخفى مداخله داخل البيوت أو تحتها وفي أماكن العبادة كالأنفاق التي تم الكشف عنها من قبل الإسرائيليين في بلدة الخيام تحت إحدى كنائس البلدة. ومع استمرار التوغل الإسرائيلي في ما بات يعرف بالخط الأصفر، برز دور الأنفاق في المواجهات التي يعتمدها “حزب الله” من المساحة صفر لا سيما بوجودها داخل القرى التي تعود في معظمها إلى بيئة “حزب الله”.

لكن هل يمكن لمقاتلي “الحزب” المنهكين الصمود داخل الأنفاق التي باتت معزولة مع غياب أهالي البلدات عنها؟ وهل يمكن للأنفاق الصمود في وجه تكنولوجيا الرصد الحديثة التي تتبع البصمة الحرارية وتستطيع اختراق طبقات عميقة من الصخر والباطون؟
في الضاحية باطن الأرض يبتلع ما فوقها
في الضاحية الجنوبية، كشف مقتل الأمينين العاميّن لـ “حزب الله” نصرالله وصفي الدين عن بنية تحتية محصنة ومعقدة شكلت غرفة القيادة المركزية لـ “الحزب” ومراكز قادته. وكانت مراكز القيادة هذه، بحسب التقديرات العسكرية وشهود عيان، مرتبطة ببعضها بشبكة أنفاق تمر تحت البنايات وتجد مداخلها في ملاجئ هذه الأخيرة و أدوارها السفلية. ويروى أن زوار نصرالله كانوا يمرون معصوبي العينين في شبكة من الأنفاق تتسع لسيارة حتى بلوغ مقره. كما يروي شهود عيان عن أنفاق عاينوها بعد سقوط ما فوقها من مبان وما كانوا يتوقعون وجودها مطلقًا في أحياء سكنية مكتظة كما في منطقة المريجة. وقد كشفت تقارير صحافية أن منطقة الضاحية شهدت مؤخرًا إثر الغارات الإسرائيلية انهيارات أرضية غريبة ومخيفة وظهور فجوات عميقة تعود بحسب الخبراء العسكريين والهندسيين إلى وجود أنفاق متشابكة على عمق كبير ساهمت في إضعاف التربة فوقها وتسببت بانهيار أسرع للمباني. ويعتقد الخبير العسكري المتقاعد الذي تحدث إلى “نداء الوطن” أن معظم هذه الأنفاق تم بناؤها بعد حرب 2006 مع عملية إعادة الإعمار التي شهدتها الضاحية. لكن المستغرب في الأمر أن الأنفاق كانت تحفر في مناطق مأهولة على مرأى ومسمع من السكان والدولة وحتى من طائرات المراقبة والتجسس الإسرائيلية من دون أن يرف لأحد جفن لا سيما أنها تحتاج إلى معدات خاصة للحفر وآليات لنقل الردم. فأين كانت أعين الدولة حينها؟

ومن جهة أخرى، أين كانت أعين الدولة السورية من الأنفاق التي تربط لبنان بسوريا وكانت تستخدم لتهريب الأسلحة والمعدات الحربية والمخدرات باتجاهين؟ هل كانت غافلة مثل أعين الدولة اللبنانية لكونها المستفيد الأكبر من عمليات التهريب؟ وهل يمثل الإعلان عن كشف النفق الكبير الممتد من ريف حمص الجنوبي حتى لبنان والأنفاق الحدودية القصيرة بين البلدين بداية حقبة جديدة يخرج فيها ما في باطن الأرض إلى العلن في البلدين الجارين؟

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *