القائمة

بعبدا تلقن “الأصفر” درسًا وطنيًّا والتفاوض “يُهَستِر” قاسم

بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، ترتسم صورة بَلَديْن ووطنَيْن مختلفين في كل شيء. الأوّل، يجسّد مفاهيم الدولة والحياة بمعانيها الطبيعية والبديهية. أما الثاني، فيقبع في عالمٍ سفليّ غريب عن لبنان، ولا يبدو هذا الانفصال مستغربًا. وبين منطق الجمهورية اللبنانية وأدلجة الخراب التي تُسيّر “المقاومة الإسلامية في لبنان”، لا مكان للتعايش أو التساكن في مساحات رمادية؛ وإذا كانت بعبدا قد مدّت جسور التواصل مع “الضاحية” من أجل تفكيك معضلة السلاح غير الشرعي بسبلٍ مؤسساتية لا يُدرك “الحزب” بتكوينه وجيناته السياسية أبجديتها، إلا أن عون لم يتوانَ عن وضع النقاط على الحروف، بعد أن تجاوزت حملات التخوين برعونتها كل الخطوط.

وبصوت اللبنانيين التواقين للانعتاق من متلازمة “الحزب والحرب”، أطلق الرئيس مواقف هي الأشد والأقسى؛ مفندًا ازدواجية المعايير لدى الطرف الآخر الذي يُركّب “أذن جرّة التوافق” على مقاس أجندته، فسأل: “هل عندما ذهبتم إلى الحرب، حظيتم أولا بالإجماع الوطني؟”. كما وجّه صفعة مدوية على وجه مزوّري الشهادات الوطنية، مشددًا على أن “الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقًا لمصالح خارجية”.

وتكتسب مواقفه أهمية سياسية ومعنوية لكونها صدحت خلال لقائه وفدًا من أبناء منطقة حاصبيا ومرجعيون والعرقوب. ووسط هذا الالتفاف الشعبي توجّه عون إلى المقامرين بمستقبل الجنوبيين وأرواحهم وممتلكاتهم قائلا: “إلى متى سيظل أبناء الجنوب يدفعون ثمن حروب الآخرين على أرضنا وآخرها إسنادا غزة وإيران”.

وبلهجةٍ لا تقبل التأويل، شدد على أنه “لا يجوز أن يكون ولاء اللبنانيين إلا للبنان، وآن الأوان لنتخلص من الولاءات لبلدان أخرى، تجرّنا إلى حروب لتحقيق مصالحها على حساب شعبنا”. وقال: “لا عَلَم للبنانيين غير العلم اللبناني، ومن يريد أن يحمل علمًا آخر، فليذهب إلى البلد الذي يحمل علمه”.

وأشار إلى أنه “قبل بدء المفاوضات بدأ البعض بتوجيه سهام الانتقادات والتخوين، والادعاء أننا نذهب إلى المفاوضات مستسلمين”، مخاطبًا إيّاهم: “انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة. فموقف الفريق اللبناني في واشنطن مشرِّف، وهو موقف قوي وصلب تجاه مصلحة لبنان، بعكس ما يتم الترويج له”.

ما بعد كلام عون ليس كما قبله

وتعليقًا على مواقف عون الصلبة، أشارت المعلومات إلى أن ما بعده ليس كما قبله، إذ دخلت البلاد مرحلة جديدة: فإما أن يلتزم “الحزب” بالقانون، أو أن الدولة ستفرضه. ولن يظل حديث عون في إطار الكلام، بل إن قرارات الحكومة، سواء في جلستي 5 و7 آب أو 2 آذار، ستسلك طريقها نحو التنفيذ، إذ لا يمكن لأحد تهديد الدولة ورئيس جمهوريتها.

وعمّا إذا كان كلامه سيؤخر زيارة رئيس مجلس النوّاب نبيه بري إلى بعبدا، أوضحت مصادر متابعة أنه من غير المفترض حدوث ذلك، فبرّي يدرك خطورة الوضع ومطّلع على التفاصيل كافة، كما إنه غير راضٍ عن جملة من سياسات “حزب الله”، ويعرف حقيقة موقف عون وحجم حملات التجني بحقه ومدى خطورتها؛ لذا فهو يسعى لإنقاذ الوضع لا لتخريبه أو الانزلاق نحو الشعبوية. ولفتت المصادر إلى حجم التأييد العابر للطوائف والمناطق الذي يتلقاه عون في مساره التفاوضي لإنقاذ لبنان، مؤكدة أنه لن يتراجع عن هذه الأمانة مهما بلغ حجم التهديد والوعيد والتخوين.

بيان انقلابي من قاسم

أما على ضفة “الممانعة”، وتجنبًا لرتابة إطلالاته التلفزيونية الجوفاء، استعاض الشيخ نعيم قاسم ببيانٍ “مسموم”، كُتب بحبر المكابرة؛ ليعلن من خلاله انقلابًا صريحًا على مسار الدولة. في هذا الإطار، كشف مصدر رسمي أن توقيت صدوره جاء ليُشوش على اللقاء الثلاثي المرتقب في بعبدا بين رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام. واعتبر المصدر أن البيان، وإن استهدف بأدبياته الثنائي (عون – سلام) بشكل أساسي، إلا أن سهامه أصابت بري أيضًا في المرمى.

وبلغةٍ استعلائية، نَصّب قاسم نفسه وصيًّا على اللبنانيين، زاعمًا أن “السلطة تفرّط بحقوق لبنان وتتنازل عن الأرض وتواجه شعبها المقاوم”؛ وهي الأرض التي أضاعها بإسناداته الطائشة وحروبه الفاشلة، في حين أن الدولة اللبنانية التي لا يعترف بها قاسم ويختزلها في بيانه بـ “السلطة”، تسعى عبر الأطر الدبلوماسية إلى استعادة ما فقده هو في الميدان. وفي بيانه، دعا قاسم “السلطة” للتراجع عن “خطاياها”، في إشارةٍ إلى أن المفاوضات المباشرة ليست مجرد خطأ سياسي أو وطني استراتيجي فحسب، بل أنزلها منزلة “الخطيئة”، مسبغًا عليها بُعدًا دينيًا وعقائديًا يستند إليه “الحزب” لمواجهة الدولة اللبنانية عبر اللعب على هذا الوتر، وتجييش بيئته المشرّدة والتائهة بين تهجير وآخر. وقد تعمّد استخدام عبارات ومصطلحات مثل “رجال الله”، وإخضاع “عُتاة الأرض” و “أذلة البشر” و “وحوش الخلق”، فارضًا على اللبنانيين كافةً منطوقه العقائدي في مفاهيم الحياة والموت والمصلحة الوطنية. كما اعتبر قاسم أن هذه المفاوضات ومخرجاتها “كأنها غير موجودة” بالنسبة إليه، مؤكدًا الاستمرار في “المقاومة الدفاعية”، وأنه لن “يعود إلى ما قبل 2 آذار”.

إسناد سعودي لموقف الدولة

إزاء الحملات التي يشنها “الحزب”، قال مصدر سياسي رفيع لـ “نداء الوطن”، إن “الجهد الذي تبذله المملكة العربية السعودية من أجل لبنان لن يتأثر بالمواقف التصعيدية، لا سيما تلك التي أعلنها قاسم في بيانه المكتوب، لأن اهتمام المملكة هو الحفاظ على لبنان أرضًا وشعبًا ومؤسسات ومنع أي مقامرة بالسلم الأهلي”. وأوضح أن “جهود المملكة أثمرت تنسيقًا على أعلى المستويات بين الرئاسات الثلاث والقيادات السياسية الرئيسية من أجل توحيد الموقف بشأن التفاوض مع إسرائيل وفق السقف الذي حدده الرئيس جوزاف عون في مبادرته التفاوضية والتي تحظى بتأييد عربي ودولي واسع”.

وكشف المصدر أن “أولى ثمار الحماية السعودية للدولة ومؤسساتها ستكون الاجتماع المرتقب في قصر بعبدا بين الرؤساء عون وبري وسلام والمرجح عقده غدًا الأربعاء والذي سيصدر عنه موقف من مختلف التطورات الراهنة”.

الحملة العسكرية لم تنتهِ

أما على الجبهة الاسرائيلية، فأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الحملة العسكرية في لبنان لم تنتهِ بعد، رغم ما وصفه بـ “الإنجازات الكبيرة”، داعيًا قيادة الجيش الإسرائيلي إلى تكثيف الجهود لمواجهة تهديدي الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة لـ “حزب الله”. وخلال مؤتمر لهيئة الأركان، أشار نتنياهو إلى أن “العمليات العسكرية حققت تقدمًا ملحوظًا، من بينها تقليص قدرات الصواريخ التي كانت تهدد كامل الأراضي الإسرائيلية، وإنشاء منطقة أمنية تمنع التسلل والهجمات المباشرة، إضافة إلى توسيع نطاق الضربات لتشمل جنوب لبنان ومناطق شمال نهر الليطاني”. وأضاف أن إسرائيل حققت “إنجازات هائلة” في لبنان، وأن الاتفاق المبرم يتيح لها التحرك لمواجهة ما وصفه بالتهديدات. وأوضح أن “حرية التحرك العسكري لإحباط التهديدات، سواء الفورية أو الناشئة، تستند إلى تفاهمات قائمة مع الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية”، لافتًا إلى أن “إحراز تقدم في هذا الملف قد يفتح الطريق أمام تسوية سياسية”.

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *