العميد الركن خالد حمادة
اللواء
يتشكّل المشهد الجيوسياسي المحيط بلبنان من مجموعة استحالات. أولها وصول التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران إلى أفق مسدود. وثانيها استحالة تحويل الهدنة المعلنة بين لبنان وإسرائيل إلى وقفٍ دائمٍ لإطلاق النار، بما يعني وقف عمليات القصف لقرى الجنوب ووقف تفجير المنازل. أمّا الاستحالة الثالثة، فتكمن في مواجهة سياسية مفتوحة الأفق حيال قرار الحكومة اللبنانية الإنتقال من حرب يفرضها عليها الحرس الثوري الإيراني إلى مسار تفاوضي ترعاه واشنطن. وهي مواجهة هدفها الإبقاء على فوقية حزب الله في المعادلة السياسية اللبنانية، وتثبيت طهران كخلفية حاضرة بصورة دائمة في الوجه الإقليمي للبنان.
تقدّم هذه الإستحالات الثلاث أوجهاً مختلفة لأزمة واحدة، تتبادل فيما بينها مقوّمات الإستمرار والتصعيد وفق نموذج الأوعية المستطرقة، بما ينذر بإنفجارها بصورة متزامنة أو تدريجية، تحت ضغوط الميدان الممتدة من مضيق هرمز إلى لبنان، أو تحت وطأة ضيق الوقت وإلزامات المرحلة.
فكيف يمكن قراءة المؤشرات التي تقدمها ميادين المواجهة بين طهران وواشنطن، وما هي الرهانات؟
تراهن الولايات المتحدة على التداعيات الإقتصادية والسياسية للحصار الذي فرضته على موانئ إيران، سواء من حيث دفع الحرس الثوري إلى التفاوض، أو من حيث تحوّل الهوة بين الوفد المفاوض والحرس الثوري إلى انقسام حاد يضعف قدرة طهران على المناورة. وهذا ما يجعل واشنطن واثقة من التحاق إيران، وإن أتى متأخراً، بالمفاوضات في إسلام أباد، ومن تمسّكها برفض أي تنازل عن شروطها المعلنة، وربما من دون اللجوء إلى الخيار العسكري الذي يبقى مطروحاً.
من جهة أخرى، تراهن إيران على قدراتها الدبلوماسية في تحويل التفاوض الثنائي مع واشنطن إلى منصة ثلاثية أو رباعية، بما يمنح تنازلاتها المرتقبة أبعاد شراكة دولية، ويُفقد الولايات المتحدة فرصة إعلان الإنتصار الكامل عليها. وفي هذا الإطار تُقرأ الجولات المكوكية لوزير الخارجية عباس عراقجي نحو إسلام أباد ومسقط وموسكو، بعد إعلان إسلام أباد فشل الدبلوماسية المباشرة بين طهران وواشنطن.
وفيما يبدو الوقت عاملاً إيجابياً في الحسابات الأميركية، نظراً لدوره في تحويل الحصار إلى أزمة إيرانية متفاقمة، تشعر طهران بضرورة نقل المواجهة العسكرية إلى خارج إيران إذا ما فشل عراقجي في تأمين مشاركة دولية في مفاوضات إسلام أباد، أو في توفير منصة تفاوضية موازية لها.
في لبنان، تبرز مؤشرات من نوع آخر، تتمثل في صدام وشيك بين حزب الله والسلطة الشرعية المتمثلة بمجلس الوزراء. عنوان هذا الصدام المباشر هو التفاوض مع إسرائيل بوصفه سبيلاً دبلوماسياً لتحقيق انسحابها من الجنوب اللبناني، أما بُعده الاستراتيجي فيكمن في إخراج لبنان من دائرة الهيمنة الإيرانية التي يرزح تحتها منذ أربعة عقود.
لقد خطا لبنان بالأمس خطوات واضحة نحو إعلان القطيعة مع المسار السياسي الذي اتُّبع مع حزب الله منذ اتّفاق وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل في 27 نوفمبر 2024، وبعد حرب الإسناد الثانية التي استأنفها الحزب في 2 آذار المنصرم، والتي أدّت حتى 25 نيسان إلى سقوط 2509 شهداء و7755 جريحاً، وإلى السيطرة على 55 قرية وبلدة لبنانية، سواء عبر الإحتلال المباشر أو السيطرة عليها بالنار.
وقد تجلّت هذه الخطوات من خلال مواقف غير مسبوقة اتخذها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال استقباله، قبل ظهر أمس في قصر بعبدا، وفداً من أبناء منطقة حاصبيا ومرجعيون والعرقوب واتحاديّ البلديات فيها، حيث ردّ على مواقف حزب الله المعارضة للتفاوض وتسليم السلاح، والتي بلغت حدّ اتهام كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بالخيانة، ناهيك باستخدام تعابير تفتقر إلى الحد الأدنى من أدبيات التخاطب.
وقد أعاد عون تهمة الخيانة إلى حزب الله، متهماً إياه بأخذ لبنان إلى الحرب من أجل مصالح خارجية. وإذ دعا من يريد أن يحمل علماً غير العلم اللبناني إلى الذهاب إلى البلد الذي يحمل علمه، فإنه كان يتوجّه إلى طهران، معلناً الإنعتاق من آخر مظاهر الوصاية التي تمارسها، ومؤكداً تمسّكه بالتفاوض الذي يبدأ بوقف إطلاق النار ويهدف إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، على غرار اتّفاقية الهدنة.
وفي سياق المؤشرات المتسارعة المشار إليها، وبالتزامن معها، اندفعت كل من إسرائيل وحزب الله إلى رفع سقف التصعيد. فقد طالت الإعتداءات الإسرائيلية عمق البقاع للمرة الأولى منذ إعلان الهدنة، بعد إعلان الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته، كما أعلن حزب الله تنفيذ هجمات صاروخية وإطلاق مسيّرات استهدفت مواقع عسكرية وتجمعات للجنود في الجنوب، بما يؤكد احتمالات الإنزلاق نحو مواجهة أوسع.
فهل يذهب لبنان إلى مزيد من التصعيد بوصفه أحد فصول المواجهة بين طهران وواشنطن ريثما يحين توقيت المعركة الكبرى بينهما؟ وهل يشكّل المضي في التفاوض المباشر أحد محفزات التصعيد المرتقب؟

