القائمة

لن يمرّ السلاح في لبنان الجديد

لم يعد ممكناً التعايش مع سلاح حزب الله. هذه ليست عبارة انفعالية ولا شعارًا سياسياً، بل خلاصة مسار طويل من التجربة اللبنانية مع ازدواجية القرار الأمني والعسكري داخل الدولة الواحدة.

فالدولة، في تعريفها البسيط، هي احتكار شرعي للسلاح والقرار. وعندما يُنتزع هذا الاحتكار أو يُشارك فيه طرف غير مؤسساتي، تصبح الدولة في حالة تعطيل مزمن، مهما احتفظت بشكلها الإداري ومؤسساتها الدستورية.

لقد أظهرت السنوات الماضية أن وجود سلاح خارج الدولة لم يكن تفصيلاً في المعادلة اللبنانية، بل عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل وظيفة الدولة نفسها. فمن قرار الحرب والسلم، إلى التموضع الإقليمي، مرورًا بالخيارات الداخلية الكبرى، لم تعد الدولة وحدها صاحبة القرار النهائي، بل باتت في كثير من الأحيان طرفًا يُضطر إلى التكيّف مع معادلات مفروضة خارج إطارها.

وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية البنيوية: لا يمكن بناء دولة حديثة على قاعدة ازدواجية السلطة العسكرية. ولا يمكن الحديث عن سيادة مكتملة فيما القرار الأمني موزّع بين أكثر من مرجعية. فهذه الحالة لا تنتج توازنًا، بل تنتج شللًا مؤسساتيًا دائمًا وأزمات متكررة.

من هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى “التعايش” مع هذا الواقع لا تُعالج الخلل، بل تُثبّته. لأنها تعني عمليًا قبول استمرار الوضع القائم، أي استمرار وجود قوة عسكرية موازية للدولة خارج إطارها، بما يعنيه ذلك من تعطيل لأي مشروع دولة متماسكة.

إن جوهر النقاش لم يعد أيديولوجيًا ولا سياسيًا ضيقًا، بل بات مرتبطًا بمفهوم الدولة ذاته: هل يمكن أن تستقيم دولة بسلطتين عسكريتين؟ وهل يمكن أن تستعاد الثقة الداخلية والخارجية بمؤسساتها في ظل هذا التنازع على القرار السيادي؟

الوقائع التي عاشها لبنان في العقدين الأخيرين تقدّم جوابًا عمليًا أكثر مما تقدّمه النظريات: كلما تعمّقت ازدواجية القرار، تعمّقت هشاشة الدولة. وكلما توسّع هامش السلاح خارجها، تقلّص هامش المؤسسات داخلها.

من هنا، فإن المسألة لم تعد تحتمل الصيغ الوسطية أو التسويات الرمادية. فإما دولة واحدة بقرار واحد وسلاح واحد تحت سقف الشرعية، وإما استمرار الانهيار التدريجي لمفهوم الدولة نفسه.

وفي ضوء ذلك، يصبح واضحًا أن “التعايش” لم يعد خيارًا واقعيًا أو قابلًا للاستمرار، بل مجرد توصيف لحالة اختلال لم يعد ممكناً إدارتها من دون معالجة أصلها.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *