القائمة

لبنان يرفع الوصاية الإيرانية.. ويفاوض!

ما جرى في واشنطن لم يكن تفصيلاً دبلوماسيًا عابرًا، ولا اجتماعًا تقنيًا يُضاف إلى أرشيف اللقاءات العقيمة. ما حصل هو لحظة سياسية فاصلة، كُتب فيها سطر جديد في تعريف دور لبنان وموقعه أو بالأحرى، بداية خروجه من موقعٍ فُرض عليه بالقوة طوال سنوات.

للمرة الأولى منذ عقود، يجلس لبنان إلى طاولة تفاوض مع إسرائيل بقرارٍ سياسي، لا كامتداد لوصاية، ولا كترجمة لإملاءات محور، بل كدولة تحاول أن تستعيد حقها الطبيعي في إدارة مصالحها. وهذا بحد ذاته تحوّل استراتيجي، لا يمكن التقليل من شأنه.

المفاوضات، قبل أن تكون مسارًا نحو تهدئة أو اتفاق، هي فعل سيادي بامتياز. هي إعلان أن السياسة الخارجية لم تعد حكرًا على السلاح، ولا رهينة خطاب المواجهة الدائمة، ولا أسيرة حسابات إيران. ما حصل هو كسر واضح للقبضة التي كبّلت القرار اللبناني، وأبقت البلاد رهينة حروب الآخرين، من دون أن يكون لها رأي في توقيتها أو كلفتها.

في جوهر هذا التحول، هناك اعتراف ضمني بحقيقة طال إنكارها: لا يمكن للبنان أن يستمر كجبهة مفتوحة إلى ما لا نهاية، ولا كأرض مستباحة لصراعات إقليمية. الدولة، حين تفاوض، تقول ببساطة إنها موجودة. وحين تقرر الجلوس إلى الطاولة، فهي تعلن أن زمن إدارة الظهر للعالم قد انتهى.

نعم، الطريق إلى السلام مع إسرائيل ليس مفروشًا بالورود. التاريخ ثقيل، والدماء لم تجف، والانقسام الداخلي عميق. لكن السياسة لا تُبنى على العواطف وحدها، بل على المصالح. ومصلحة لبنان اليوم واضحة: وقف النزيف، إعادة الاستقرار، وفتح باب لإعادة بناء اقتصاد منهار وشعب مُستنزف.

الأهم، أن هذه المفاوضات تعيد تعريف الأولويات. بدل أن يكون لبنان منصة رسائل إيرانية، يصبح دولة تبحث عن أمنها وحدودها واستقرارها. بدل أن يكون قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته، يعود ولو تدريجيًا إلى حيث يجب أن يكون داخل الدولة.

الاعتراض على هذا المسار مفهوم، لكن رفضه بالكامل هو في جوهره دفاع عن الوضع القائم: عن بلدٍ يُستنزف، واقتصادٍ يُنهار، وسيادةٍ مُصادرة. أما المضي في التفاوض، فهو رهان على فرصة قد تكون الأخيرة لإعادة لبنان إلى الخريطة كدولة طبيعية، لا كساحة.

ما بدأ في واشنطن ليس سلامًا بعد، لكنه الطريق الوحيد نحوه. وهو، قبل كل شيء، إعلان تحرر سياسي: لبنان الذي يُفاوض، ليس لبنان الذي كان يُملى عليه.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *