أنهت قرارات مجلس الوزراء اللبناني خطاباً رسمياً امتد لأكثر من 35 عاماً، غطّى السلاح خارج المؤسسات، في انعكاس مباشر للظروف الإقليمية والدولية التي مرّ بها لبنان. وبين تبدّل الصياغات الرسمية من “شرعي وضروري ومؤقت” إلى “الجيش والشعب والمقاومة” وصولاً إلى “الأمن القومي”، ظلّ السلاح نفسه خارج إطار الدولة، يتكيّف مع المراحل ويتأقلم مع موازين القوى الداخلية والخارجية.
على مدى عقود، مثّل السلاح غير الشرعي في لبنان قضية ملتبسة، حيث تبدّلت الصياغات الرسمية من دون أن يتغير القرار السياسي الفعلي. فمن النفوذ السوري في التسعينيات إلى التمدد الإيراني لاحقاً، بقيت الحكومات تتلاعب بالعبارات التي تشرعن السلاح، في حين ظلّ الواقع واحداً: قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة تتكيّف مع الظروف وتستفيد من المراحل.
الشرعية الناقصة واتفاق الطائف
الوزير السابق حسن منيمنة أوضح في تصريح لـالشرق الأوسط أنّ «اتفاق الطائف» كان واضحاً في حلّ الميليشيات ونزع سلاحها، لكن الاستثناء شمل «حزب الله» بذريعة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. ويرى أنّ توصيف “المقاومة” أخرج السلاح من مقتضيات الطائف، ما بدا مقبولاً نسبياً بسبب الاحتلال، لكنه أسّس لواقع مزدوج: دولة تستعيد مؤسساتها وحزب يحتفظ بسلاحه بغطاء سوري–إيراني وتأييد شعبي جنوبي.
شعارات متبدلة ونفوذ سوري
النائب السابق فارس سعيد استعاد شعارات التسعينيات حين رفع حافظ الأسد شعار “شعب واحد في بلدين”، ولاحقاً “وحدة المسار والمصير”، وصولاً إلى الاستراتيجية الدفاعية. وأضاف أن رفيق الحريري وصف في بيانه الوزاري عام 2000 الوجود السوري بأنه «شرعي وضروري ومؤقت»، رداً على دعوات بكركي إلى انسحاب الجيش السوري.
التحرير عام 2000 والوصاية السورية
تحرير الجنوب عام 2000 اعتُبر فرصة لإسقاط مبرّر السلاح، لكن منيمنة يؤكد أن القرار اللبناني بقي خاضعاً للنفوذ السوري والإيراني، ما سمح للحزب بالتوسع داخل المؤسسات. وهكذا لم يُترجم التحرير بتطبيق الطائف، بل بالعكس، ثُبّت الاستثناء الخاص بالحزب، فيما ظلّ الخطاب الرسمي أسيراً لرغبة دمشق.
معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”
بعد اغتيال رفيق الحريري وخروج الجيش السوري عام 2005، ارتفع شعار تطبيق الطائف، لكن الحكومات أدرجت عبارة “الجيش والشعب والمقاومة”. واعتبر منيمنة أن هذه الصياغة «شرعنت موقع الحزب كجزء من معادلة الكيان اللبناني»، مانحةً إياه شرعية مزدوجة: كقوة عسكرية مستقلة، وكعنصر ضمن التوازنات الدستورية. فيما أشار سعيد إلى أن “اتفاق الدوحة” أعاد مصطلح الاستراتيجية الدفاعية، ثم ظهر تعبير “حرب الإسناد” بعد غزة، لترسخ المعادلة الثلاثية في البيانات الوزارية.
من حرب تموز إلى اتفاق الدوحة
منيمنة لفت إلى أن حرب تموز 2006 وأحداث 7 أيار 2008 عززت مكانة الحزب كقوة غالبة داخلياً. ورأى أن اتفاق الدوحة رسّخ صيغة “الثلث المعطل” ومنح الحزب حق الاعتراض داخل الحكومات، فيما صيغت الاستراتيجية الدفاعية لتبقي السلاح في يده تحت غطاء رسمي.
الحرب السورية: السلاح خارج الحدود
مع اندلاع الحرب السورية، انتقل الحزب من قوة محلية تُبرّر سلاحها بمواجهة إسرائيل إلى قوة إقليمية تقاتل دفاعاً عن النظام السوري وتحت لواء إيران. وأوضح منيمنة أن الحكومات اللبنانية وفرت غطاءً عبر شعار “النأي بالنفس”، بينما استُخدم السلاح في حروب إقليمية، وظلّ الخطاب الرسمي يكرر معادلات قديمة.
الحرب الأخيرة وصياغات جديدة
منيمنة اعتبر أن الحرب الأخيرة مع إسرائيل أسقطت الادعاء بحماية لبنان، بعدما تسببت بتدمير مناطق واسعة من الجنوب، من دون تحقيق وعود الحزب. وخلص إلى أن السلاح بات وسيلة للحفاظ على نفوذ داخلي وخدمة أجندات إقليمية.
أما فارس سعيد، فلفت إلى أن الخطاب الرسمي الحالي انتقل إلى صيغة “بسط سيادة الدولة على كامل التراب اللبناني بقواها الذاتية”، لتحلّ محل شعارات مثل الاستراتيجية الدفاعية، وتظهر مصطلحات جديدة كالأمن القومي. وأكد أن كل هذه العبارات منذ 1992 كانت انعكاساً للظروف الإقليمية والدولية التي حكمت لبنان.
المصدر : الشرق الأوسط

