للأسف، أكتب الحقيقة المُرة.
أوهم حزب الله منذ عشرين عامًا الشعب اللبناني أنه أحرز في الـ 2006 نصرًا إلاهيًا، وأنه قوة الردع التي تخشاها إسرائيل، حتى أتى الثامن من أكتوبر العام الماضي ليكون بداية النهاية الدامية لأسطورة من نسج الخيال.
في العودة الى 2006، أسر حزب الله جنديان إسرائيليان، فكانت عملية كهذه وصمة عار أمام العالم للجيش الذي لا يقهر، فانجرت إسرائيل الى حرب لم تكن مستعدة لها، وشنت عدوانًا على لبنان ضاربة البنى التحتية برمتها انتهى بعد 33 يومًا.
انتهى العدوان ولم يكن بسواعد الميليشيا كما أُشيع، لا بل كان في حينه حكومة برئاسة دولة الرئيس فؤاد السنيورة التي تمكنت بفضل علاقات قوى 14 آذار الخارجية من انتزاع القرار الدولي 1701 من الأمم المتحدة الذي كان هو سبب وقف الحرب. وكانت جملة نصرالله الشهيرة “لو كنت أعلم” دليلاً كافًيًا لمعرفة ما كان يدور في الكواليس عن حالة الحزب المهزومة ميدانيًا.
توقف القتال تراجع الإسرائيلي، عاد حزب الله الى الحدود، ولم يطبق القرار 1701، لذلك نشهد اليوم حربًا عبثية قررها حزب الله منفردًا تحت حجة مساندة غزة، فغزة تدمرت والجنوب على خطاها، وقد يكون لبنان أيضًا.
غامر حزب الله من جديد اليوم، ولفظاعة النتائج المدمرة التي ألحقت بالحزب وقياداته، الجميع يتساءل عما كان يراهن نصرالله ومن وراءه في محاربة إسرائيل.
القادة اغتيلت وسلاح الإشارة فجر، العناصر شتت، منصات الصواريخ وترساناتها ضربت، إسرائيل توغلت في الجنوب وعمليتها العسكرية لا أحد يعرف عمقها، ومليون ومئتي ألف نازح جنوبي وبقاعي. كل هذا في غضون اسبوعين، كشف معه حجم الخرق الإسرائيلي الاستخباراتي داخل صفوف حزب الله.
هالة بناها حزب الله أثبت اليوم أنها وهم، وقوة الردع التي ادعا نصرالله امتلاكها ليست موجودة، فالجنوب يحتل وعناصر الحزب يخلون مراكزهم هربًا، تاركين أسلحتهم التي يصادرها الجيش الإسرائيلي بالشاحنات، وحتى يومنا هذا وقع عشرة مقاتلين منهم بالأسر لدى جيش العدو.
انقلب المشهد عن الـ 2006، إسرائيل أسرت، فهل من قدرة للحزب على اعادتهم سالمين؟ وعلى ما سيفاوض الحزب؟
لا شيء في الأفق يوحي ان بإمكان الحزب التفاوض مع إسرائيل، بإمكانه الاستسلام فقط، وقف اطلاق النار للحفاظ على ما تبقى من عمران في الجنوب. لكن هل تقبل إسرائيل الاستسلام فقط؟
ما تعرضت له إسرائيل في السابع من أكتوبر لن تسمح ان يتكرر، لا من غزة ولا من لبنان، اذ ان إسرائيل اليوم أقل ما يقال انها مستمرة حتى تجريد الحزب من سلاحه الصاروخي وارجاعه وراء الليطاني لضمان أمن السكان في الشمال. كما وأنه لا يجوز ان يبقى في الجنوب اللبناني ميليشيا تصادر قرار الحرب والسلم من الدولة اللبنانية، تجر لبنان كل حين الى حرب يرفضها أغلبية الشعب اللبناني.
إنها الحقيقة ولو كانت مُرة، لكن ليسلم الجميع، والذي يجب ان نتقبلها، وليعود حزب الله الى كنف الدولة اللبنانية يمارس السياسة تاركًا ارتباطاته الخارجية، واضعًا مشروع الدولة اللبنانية نصب عينيه.
-نعيم القصيفي

