القائمة

إيران تطبّع مع إسرائيل

سامر زريق
نداء الوطن
يتخذ “حزب الله” من المشروعية الوطنية عنوانًا لحملته المركبة للضغط على الدولة، موظفًا حقبة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ومآلاتها المعروفة، من اتفاقية “17 أيار” حتى انقلاب 6 شباط وما بينهما، لإرباك رئيسي الجمهورية والحكومة.

ومع ذلك، ورغم وجود مواضع تشابه مع تلك الحقبة، إلا أنه ثمة العديد من الاختلافات الجوهرية. إذ ليس تفصيلًا عدم وجود شخص مثل حافظ الأسد بمكره الشديد وعبثه بالمعادلات بما يخدم هيمنته التوسعية.

بيد أن الاختلاف الأكبر يكمن في وجود دعم سياسي وشعبي هائل ووازن تستند إليه السلطة في المسار التفاوضي، لا يقارن مع تلك الحقبة حيث كانت الحرب الأهلية لا تزال مستعرة، وكان نجم بعض القوى والشخصيات في حالة صعود، من جنبلاط وبري، وشخصيات عديدة، إلى “حزب الله” نفسه. بينما الحال اليوم مغاير حيث دخلوا شتاء العمر السياسي بعدما استمر ربيعهم 4 عقود ونصف العقد، بما يذكرنا مرة جديدة بالدورة الزمنية لابن خلدون.

ناهيكم أن “منظمة التحرير” لم تكن تعاني العزلة السياسية نفسها التي يتعرض لها “حزب الله” راهنًا. يضاف إلى ذلك عامل حيوي شهد اختلافًا جذريًا، وهو التحوّل التاريخي الطابع في المزاج السني العام.

ذلك أن محاولات “الحزب” ورهطه وحلفائه السنة، الجدد والقدامى، التحريضية المشبعة بدسّ السم في العسل عبر الثنائية المقفلة إياها “إسرائيل وضدها”، أيًا كانت هوية هذا الضدّ ومشروعه، لم تنجح في إثارة الفزعة الدينية والقومية عند السنة لإخراجهم من وضعية السكون.

في الثمانينات كان الصراع على هوية الدولة وشكل النظام السياسي. كما أن اتفاقية “كامب دايفيد” والتي تعد منعطفًا تاريخيًا في الصراع العربي الإسرائيلي كانت حديثة العهد. وبالتالي، كان القلق من الاتفاق مع إسرائيل له مبرراته الوجيهة، ولا سيما أنه كان مؤطرًا بمشروع سياسي.

وفيما حسم “الطائف” الصراع على الدولة وأدخلنا عصر “الجمهورية الثانية” بما ينسجم مع ثوابت السّنة التاريخية بالارتصاف خلف مشروع الدولة، فإن المنطقة برمّتها شهدت تحولات جوهرية أرخت بثقلها على الموقف السني العام.

من “أوسلو” إلى “وادي عربة”، مرورًا بدخول ياسر عرفات الأراضي المحتلة وقيام السلطة الفلسطينية المنقوصة الاستقلالية، ومبادرة السلام العربية في بيروت، وصولًا إلى اتفاقيات أبراهام. في موازاة محادثات خفض الصراع وتسكينه على أكثر من صعيد، أحدثها سوريا الجديدة.

وبالتالي، فإن النظرية التي ألبسها حافظ الأسد للبنان “آخر من يوقع” وروّج لها طويلًا، ومن بعده نظام الملالي، لم تعد تشكل مانعًا استراتيجيًا، سنيًا خصوصًا، ولا سيما في ظل تأثير المحادثات الجارية بين تل أبيب ودمشق بحلتها السياسية الجديدة، ومع ارتكاز لبنان على دعم السعودية وبعض الفاعلين العرب لتعزيز موقفه في المفاوضات، خصوصًا إزاء راعي الطاولة.

غير أن الوصول إلى هذه النقطة لم يكن ممكنًا إلا بفضل “حزب الله” والمشروع الإيراني المذهبي التوسعي. فسياسات الاضطهاد والعزل التي فرضها “الحزب” على السنة في لبنان، حيث لا تزال أوراق المحكمة العسكرية “العرفية” شاهدًا حيًا، وإيغاله في دماء السوريين وتوسده خطابًا مذهبياً بغيضًا، والمجازر المذهبية التي ارتكبتها الميليشيات المدعومة من نظام الملالي في العراق، وعمليات التطهير المذهبي في بنية الدولة كما في الحواضر التاريخية، ومثيلاتها في اليمن، واستهداف أمن وسيادة السعودية سابقًا، وراهنًا إلى جانب دول الخليج العربي، كلها عوامل جعلت المزاج السني في لبنان يميل إلى الخروج من دائرة الصراع مع إسرائيل للتخلص من “الجاثوم” الإيراني. فكل ما سبق ذكره جرى تحت عنوان مضلّل هو القضية الفلسطينية التي حولها نظام الملالي إلى “إله يعبد من دون الله” حسب توصيف الروائي الفلسطيني “المحافظ” أدهم الشرقاوي.

ليس معنى ذلك أن المزاج السني مؤيد للتطبيع مع إسرائيل، فهذه مسألة شديدة الصعوبة وتقارب الاستحالة لدى الشريحة العظمى، بسبب تداخلها بالعقيدة. لذلك يكتسي الموقف السني بطابع رمادي إيجابي أقرب إلى الصمت علامة الرضا، رغبة في التحرّر من الموقف الضعيف والدوران بين مطرقة إسرائيلية لا يأمن شرها وبين سندان آيات الله ومن والاهم.

ونزيد أكثر أنه لولا أفاعيل “حزب الله”، والدور الإيراني الهدّام في المنطقة، لاشتعلت التظاهرات في المناطق ذات الطابع السني ردًا على قرار التفاوض، حيث يمكن القول إن “حزب الله” أجلس لبنان مجبرًا غير مخيّر على طاولة التفاوض للخروج من عبودية الصراع.

فيما إيران هي من دفعت بعملية التطبيع مع إسرائيل دفعًا، تسعى القوى الفاعلة في المنطقة للحد منه ومن آثاره الجيوسياسية عبر إنتاج مخرجات أخرى أكثر استدامة وموثوقية ضمن عملية إعادة صياغة التوازنات.

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *