مرة جديدة، يتصرف “حزب الله” وكأن الدولة اللبنانية غير موجودة. ومرة جديدة، نكتشف أن ما يُبنى في الظل أخطر مما يُقال في العلن. فبحسب تصريح لعلي حمادة، نجل الرئيس السابق لمجلس النواب صبري حمادة، عمد “حزب الله” إلى إقامة مخيمات سكنية للنازحين السوريين في منطقة الهرمل، وعلى بعد خمسة كيلومترات فقط من الحدود السورية، في خطوة لا تخضع لأي قانون، ولا تمرّ بأي قنوات رسمية أو أمنية أو إدارية في الدولة اللبنانية.
المخيمات التي أُقيمت لنازحين من الطائفتين الشيعية والعلوية تطرح علامات استفهام خطيرة، ليس فقط حول شرعيتها، بل حول خلفياتها الأمنية والديموغرافية. فمن يضمن أن بعض هؤلاء لم يرتكب جرائم في سوريا؟ ومن يتأكد من عدم وجود ملفات أمنية مفتوحة بحقهم؟ من يحاسب إذا دخل المجرم لاجئاً، وصار مواطناً برعاية حزب يُخالف القوانين ويضرب مؤسسات الدولة بعرض الحائط؟
والمفارقة الصارخة، أن الحزب نفسه الذي يتذرّع بـ”الكرامة”، لم يحرك ساكناً لإعادة إعمار منازل بيئته التي دمرتها الحروب والغارات، لا في الضاحية، ولا في الجنوب، ولا في البقاع. آلاف اللبنانيين ينامون تحت السقوف المهدّمة، لكن الحزب قرر أن يبني للنازحين، لا لأبناء الوطن. قرر أن يصرف المال والمجهود على من هم خارج مسؤوليات الدولة اللبنانية، لا على من صمدوا وتحملوا ودفنوا شهداءهم تحت الركام.
هل هذه هي الوطنية؟ هل هذا هو المشروع الذي يدّعي الدفاع عن سيادة لبنان؟ كيف يمكن لحزب أن يروّج للمقاومة، وهو نفسه يُقحم لبنان في مشاريع تهدد أمنه وتوازناته الديموغرافية؟ كيف يمكن أن تُبنى المخيمات على مقربة من الحدود من دون أن نقرأ فيها رسالة واضحة: “هذه أرض نفوذ وليست أرض دولة”؟
لبنان يُصارع للحفاظ على ما تبقى من مؤسسات، والدولة تسعى إلى إعادة النازحين، فيما الحزب يعيد توطينهم. الحكومة تعمل على ضبط الفوضى، فيما الحزب يصنعها. بيئته تئن من الضيق، فيما الحزب ينفق على الغرباء.
باختصار، حزب الله لا يضع مصلحة اللبنانيين في أولوياته، بل يضع مشروعه السياسي والأمني فوق كل اعتبار. وها هو اليوم، بدلاً من أن يضمّد جراح أهله، يزرع بذور أزمة جديدة… أزمة تُهدد السيادة، وتستبيح القانون، وتؤسس لشرخ جديد بين اللبنانيين والدولة التي يُراد لها أن تبقى مشرذمة.
-نعيم القصيفي

