القائمة

أبنية على حافة الخطر… ومثال صارخ

مايز عبيد
نداء الوطن

مع انهيار مبنى آل المير في منطقة القبة قبل نحو أسبوع، بدأت أصوات القلق تتعالى لدى قاطني حيّ ضهر المغر، خصوصًا أن هؤلاء يعيشون ظروفًا عمرانية مشابهة لتلك التي تعيشها القبة، من حيث تهالك الأبنية، وغياب الصيانة.

يقع حيّ ضهر المغر في مدينة طرابلس بين القبة ونهر أبو علي، في منطقة مكتظة بالسكان، تتداخل فيها الأبنية القديمة مع البناء العشوائي، ضمن شوارع ضيّقة وبنية تحتية متقادمة.

ازداد خوف الأهالي هناك ليصبح جزءًا من يومياتهم، لا سيما خلال فصل الشتاء وبعد حادثة انهيار مبنى القبة، وقد حصل أكثر من انهيار لمبانٍ في الحيّ قبل فترة.

ظاهرة الأبنية المتصدعة لا تقتصر على ضهر المغر والقبة فحسب، بل سُجّلت حالات مماثلة في باب التبانة والحارة البرّانية وأجزاء من أبي سمراء، ما يعكس اتساع رقعة الخطر العمراني في مدينة طرابلس، إلا أن الإجراءات التي تتخذ عقب كل انهيار، غالبًا ما تبقى في إطار التوصيات، من دون تنفيذ فعلي لقرارات الإخلاء أو الترميم، ولا تأمين بدائل سكنية للأهالي، ما يضع السكان أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء تحت سقوف متصدعة، أو النزوح القسري من دون أي ضمانات.

أخطاء عمرها سنوات
في هذا السياق، وحول الواقع الهندسي لهذه الأبنية، ومدى خطورتها الفعلية، وإمكانية معالجتها قبل الوصول إلى سيناريوات كارثية جديدة، يلفت البروفسور المهندس خالد تدمري – أستاذ العمارة والتخطيط المدني في الجامعة اللبنانية وعضو مجلس بلدية طرابلس الأسبق – إلى أن الأزمة في منطقة ضهر المغر تتفاقم منذ سنوات بسبب تراكم عوامل متعددة، مشيرًا إلى أن الحكومة السابقة، رغم أنها كانت “طرابلسية”، لم تتخذ أي خطوة حقيقية لمعالجة الوضع. ولم تُخصص صناديق للطوارئ، ولم يُطلَق مجلس إعمار للمدينة، بل تم الاكتفاء بإخلاء المباني المهددة ودفع تعويضات للسكان عبر هيئة الإغاثة، في حين تواصلت الأخطاء في الإدارة والتمويل.
ويوضح تدمري أن منطقة ضهر المغر، الواقعة على منحدر، تواجه مشكلات بنيوية بسبب الطبيعة الجغرافية التي تسهل تسرب المياه إلى الأبنية، بالإضافة إلى بنية تحتية غير مؤهلة لاستيعاب العدد الكبير من السكان. وأوضح أن المنطقة كانت تاريخيًا مشتى لأهالي زغرتا الميسورين ومنطقة سكنية راقية بحكم موقعها المطل على المدينة وقلعتها والنهر والبساتين والبحر، لكنها تحوّلت تدريجيًا إلى منطقة مكتظة بالنازحين والقادمين من الأرياف، مع أبنية عشوائية مخالفة، وإضافة طبقات على المباني القديمة، دون مراقبة كافية من مصلحة الهندسة في البلدية، التي تغاضت عن المخالفات لأسباب سياسية وانتخابية وحالات الفقر والفوضى طيلة نصف قرن.

صرف بلا رؤية… والحلول
يشير تدمري إلى أن مجلس الإنماء والإعمار، الذي كان يُفترض أن يضع خططًا استراتيجية، صرف ملايين الدولارات على مشاريع لا نفع لها مثل سقف نهر أبو علي وطلاء واجهات المباني من الخارج، دون معالجة المباني المتصدعة والمشاكل الجوهرية التي تعانيها المباني التراثية مثل الرطوبة والتصدعات والضرر الناتج عن القذائف.
وحول الحلول، يشدد تدمري على أهمية إخلاء المباني وتقديم تعويض مناسب لسكانها، وإزالة المخالفات والطبقات المضافة المعرّضة للانهيار والتي تشكّل وزنًا إضافيًا على الأساسات، والحفاظ على المباني التراثية عبر التدعيم والترميم، وهدم الأبنية الباطونية القديمة التي تجاوز عمرها 70–80 سنة.
واشار تدمري إلى ضرورة الكشف التفصيلي من قبل مهندسين متخصصين لتحديد حجم الهدم والترميم والتكلفة النهائية، مع تطوير شبكة البنية التحتية بالكامل، من مجاري الصرف إلى ممرات مياه الأمطار ومعالجة التربة.
ويختم تدمري بأن “التنفيذ يتطلّب تنسيقًا بين عدة وزارات، تشمل الأشغال، الشؤون الاجتماعية، المالية، الثقافة، ومجلس الإنماء والإعمار، والبلدية لضمان خطة متكاملة وفعالة بعيدًا عن الترقيع الموقت وإلا سيستمر التهديد قائمًا والكارثة محتمة في حال وقعت هزة أرضية من 4 درجات وما فوق”.

باختصار، ليست القبة ولا ضهر المغر وحدهما في دائرة الخطر، بل إن طرابلس القديمة والتاريخية بأكملها تقف اليوم على حافة الانهيار، في ظل غياب خطة شاملة تعالج هذا الملف قبل أن يتحوّل إلى سلسلة مآسٍ جديدة، تُضاف إلى سجل الإهمال الطويل.

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *