ليس سهلاً، ولا عاديًا، أن يُقرّ في لبنان قانونٌ يضرب في صلب منظومة التعطيل السياسي والمحاصصة المقنّعة. قانون استقلالية القضاء تحديدًا، كان لسنوات رهينة التجاذبات، يُسحَب من جدول الأعمال كلما اقترب من خطوط النفوذ، ويُفرَّغ من مضمونه كلما لامس مصالح الطبقة الحاكمة. من هنا، تأتي قيمة هذا القانون: لا لأنه نصٌّ جميل على الورق، بل لأنه أُنجز رغم السياسة لا بتوافقها.
هذا القانون كان من أكثر المشاريع المعطّلة، لأن استقلال القضاء يعني تلقائيًا تقييد قدرة الطبقة السياسية على التدخل، والضغط، وفرض التعيينات، وحماية المحسوبيات. لذلك، فإن إقراره لا يمكن قراءته كصدفة تشريعية، بل كنتيجة قرار واضح بوضعه في سلّم الأولويات.
هنا، يُسجَّل الدور المحوري لوزير العدل عادل نصّار، الذي لم يتعامل مع القانون كملفٍ إضافي في وزارة مثقلة، بل كعنوان إصلاحي أساسي. في لحظة كان يمكن فيها الركون إلى إدارة الأمر الواقع، اختار أن يضع إقرار قانون استقلالية القضاء في واجهة عمله، مدركًا مسبقًا حجم المقاومة السياسية التي سيواجهها.
جوهر هذا القانون، كما أُقرّ، يكمن في كسر نمط التدخلات السياسية المباشرة في التعيينات. لم يعد القاضي، نظريًا على الأقل، أسير هاتف أو توصية أو ميزان قوى. آليات التعيين باتت أكثر ضبطًا، وأكثر ارتباطًا بالمعايير المهنية، وأقل خضوعًا للأهواء السياسية التي لطالما شوّهت الجسم القضائي وأضعفت ثقة الناس به.
لكن الأهم، وربما الأقل تسليطًا للضوء عليه، أن القانون لم يكتفِ بتحصين القاضي من التدخلات الخارجية، بل سعى إلى إصلاح الجسم القضائي من الداخل. إدخال نظام دورات تدريبية متواصلة للقضاة ليس تفصيلاً تقنيًا، بل تحوّل نوعي في مفهوم العدالة. القاضي لم يعد مجرد منفّذ نصوص، بل فاعل قانوني مُلزم بمواكبة تطوّر الفكر القضائي والمعايير الدولية.
إلى ذلك، يشكّل تأسيس مركز بحوث دولي ضمن معهد الدروس القضائية خطوة مفصلية. للمرة الأولى، يصبح متاحًا للقضاة اللبنانيين الوصول إلى أحدث الأبحاث والدراسات والاجتهادات القضائية حول العالم. هذا الربط المباشر بين القضاء اللبناني والمعرفة القانونية العالمية يعيد الاعتبار إلى القضاء كمؤسسة حيّة، لا كإدارة جامدة محكومة بروتين متقادم.
القانون وبكل واقعية، نقل القضاء من منطق الزبائنية إلى منطق المؤسسة، ومن ثقافة الحماية السياسية إلى ثقافة التأهيل والمحاسبة.
-تعيم القصيفي

