بين مطرقة التدمير الإسرائيلي الممنهج وسندان إصرار “حزب الله” على منح الذرائع لتل أبيب من ناحية، وتهديده الحكومة اللبنانية بـ “الويل والثبور” من ناحية أخرى، تتبدد فرص الحل السياسي. فـ “الحرس الثوري – فرع لبنان” ورّط البلاد في صراع يتجاوز قدراتها، غير آبهٍ بنقل المشهد الغزاوي إلى المدن والمناطق اللبنانية، وهو ما سبق وحذر منه أكثر من مسؤول إسرائيلي في مناسبات عدّة. ومع تطور حلقات الحرب، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن الأيام العشرة المقبلة ستكون الأكثر سخونة، بدأ الجيش الإسرائيلي استحداث “نتسريم” لبناني أي المحور الذي فصل جنوب غزة عن شمالها، وذلك عبر نهر الليطاني لعزل ميدان المواجهة الجنوبي عن “عاصمة الدويلة” في الضاحية كما عن سندها وعمقها الاستراتيجي العسكري في البقاع.
وبين شعار “نحمي ونبني” الذي طالما تغنى به “الحزب” وواقع الركام والدمار في القرى والبلدات الجنوبية، بون شاسع؛ وباتت “حماية” السكان رهينة الاستجابة لإنذارات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي الذي يوجّههم من نزوح إلى آخر، في مشهدٍ يستنسخ مأساة الغزاويين. وبدلًا من أن تشكّل صواريخه التي يطلقها نحو شمال إسرائيل ووسطها أو أبعد من ذلك، رادعًا محتملًا، تمدد “بيكار” الاستهداف الإسرائيلي إلى قلب بيروت في محلّتي البسطة والباشورة، بعد أن كانت محصورة في المراحل السابقة إلى حدّ كبير في الضاحية الجنوبية.
وتتصاعد المخاوف من توسع نطاق العمليات الإسرائيلية، إثر ما كشفته، “القناة 12” عن مسؤول أمني رفيع، اعتبر فيه أنه “إذا تحركنا ضد أهداف للدولة اللبنانية سيزداد اهتمامها بإخضاع حزب الله”. وفي السياق، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أمس، عقب قصف جسور على نهر الليطاني في لبنان وتدميرها، بأن هذه العمليات هي “رسالة للحكومة اللبنانية، لأن إسرائيل لن تسمح لـ “حزب الله” باستخدام البنية التحتية للدولة”.
طهران تهدد الحكومة عبر وكلائها
في ظل هذا المشهد الملتهب حيث الكلمة العليا للميدان، لم يجد المسار الدبلوماسي طريقه حتى اللحظة؛ إذ سبقت لغة النار مجالس التفاوض، لتصطدم مبادرة بعبدا المدعومة فرنسيًّا بـ “لاءين” متقابلتين: لاءٌ إسرائيلية تصرّ على التفاوض تحت وطأة القصف (مستنسخة تجربتها مع “حماس” في غزة) حتى تقويض قدرات “حزب الله”، ولاءٌ إيرانية تأبى منح الدولة اللبنانية أي فرصة لانتزاع ورقة السلاح من يد ذراعها المحلي. وبحسب مصدر دبلوماسي، فإن طهران تنظر إلى الدولة اللبنانية بعين الريبة، وما التهديدات الأخيرة التي يطلقها مسؤولو “الحزب” تجاه الحكومة والداخل والهجمات السيبرانية التي تشنها خفافيش “الفاطميون” إلا رسائل إيرانية بالدرجة الأولى.
وفي السياق التفاوضي، يقرأ المصدر في تصريحات المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان إقرارًا بصعوبة الواقع؛ إذ اعتبر في حديث إذاعي أنه “إذا عجزت إسرائيل عن نزع السلاح، فلا يمكن توقع قيام الحكومة اللبنانية بذلك في ثلاثة أيام تحت وطأة القصف”. ويعدّ تشديده على “حتمية التفاوض” مؤشرًا واضحًا إلى مدى تصلب الموقف الإسرائيلي، ومن خلفه الغطاء الأميركي، في فرض شروطٍ ميدانية قاسية تسبق أي مسار سياسي، فالإسرائيلي وفق المصدر الدبلوماسي لن يقع مرّتين في فخ “الحزب” وعدم جديّة أو قدرة الدولة اللبنانية على سحب السلاح. توازيًا، أفيد بأن وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو سيزور بيروت اليوم لبحث مجريات التصعيد والتطورات الراهنة.
أما داخليًا، فتركز المشهد الرسمي على الحراك الأمني والإعلامي؛ من الاجتماع الذي ترأسه رئيس الجمهورية جوزاف عون في بعبدا بحضور قادة الأجهزة الأمنية، إلى اللقاء الإعلامي الذي دعا إليه وزير الإعلام بول مرقص. وبالرغم من أن الاجتماعين المنفصلين التقيا حول ضرورة تبني خطاب وطني جامع يركز على وحدة اللبنانيين، إلا أن المفارقة تكمن في أن التهديد الحقيقي للحمة الوطنية والأمن القومي يأتي ممن يمسك بقرار الحرب والدمار، ومن جعل من لبنان قربانًا على مذبح “ساحات الإسناد” لغزة وإيران.
انتزاع لبنان من القبضة الإيرانية
وعلى المسار السياسي – الدبلوماسي، كان لوزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي مواقف سيادية مهمّة خلال مشاركته في الاجتماع الطارئ الذي عقد في الرياض بدعوة من المملكة العربية السعودية وبمشاركة وزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية، والذي خصص للتشاور والتنسيق في شأن أمن المنطقة واستقرارها. وألقى كلمة لبنان، فوصف “اللحظة بالمفصلية وبأنها تتطلب جرأةً في الموقف، ومسؤوليّة تاريخيّة للدفاع عن أمن وسيادة الدول المستهدفة من طهران”. واعتبر أن “أخطر ما في هذه الاعتداءات أنها موجّهة ضدّ دول لم تعتمدْ مع إيران إلّا نهج التهدئة. دول طالما التزمت بسياسات حُسن الجوار، ومدّت جسور التعاون، وسَعت إلى تجنيب المنطقة الانزلاق نحو الصراعات”. وسأل الوزير رجي “أي رسالةٍ توجهها إيران إلى منطقتنا حين يُكافأ الاعتدال بالاعتداء؟”. واعتبر أن طهران “تحاول عبر استهدافها الدول العربية والإسلامية خطف أمن وسلام هذه الدول ومقايضتهما بأهدافها الانتهازية”. وشدد على أن “الحكومة اللبنانية عازمة ومصممة على انتزاع لبنان من براثن القبضة الإيرانيّة، بعدما أوعزت إلى “حزب الله” لزجّ لبنان في حرب لم يخترها”.
وأكد رجي “أن الحكومة اللبنانية اتخذت سلسلة من القرارات، وهي ماضية في وضعها موضع التنفيذ، ولن تتراجع عنها”. وشدد على أن “مغامرة حزب الله بإطلاق الصواريخ على إسرائيل أدّت إلى قيام إسرائيل باعتداءاتٍ وتوغلات إضافيّة داخل الأراضي اللبنانيّة، وإلى سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى، إضافةً إلى تهجير أكثر من مليون لبناني”. وعن السلام، أعلن رجّي “تمسك لبنان بهذا الخيار”، موضحًا في المقابل “أن لا بديل عن التفاوض والحلول الدبلوماسية لمعالجة النزاعات وتفادي المزيد من التصعيد”. وشدد على أن لبنان “يعوّل على التضامن والدعم العربي والدولي لمبادرة رئيس الجمهورية للدخول في مسارٍ تفاوضي مباشر مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى حلولٍ مستدامة تحفظ سيادة لبنان وحقوقه”. وطالب أخيرًا بـ “ضرورة الإسراع بدعم الجيش والقوات المسلحة اللبنانية لتمكينهما من القيام بدورهما في حفظ الأمن والاستقرار”.

