كبريال مراد
نداء الوطن
بينما اعتادت المجالس النيابية أن يرد رئيس الحكومة على النواب قبل التصويت على الموازنة، قبل ترك المجال للوزراء في حال رغبوا بذلك، اكتفى رئيس الحكومة نواف سلام بجملة واحدة شكر فيها لجنة المال والموازنة والنواب على نقاشاتهم، تاركًا لوزير المال ياسين جابر الرد على النواب. وهي إشارة أراد منها سلام ربما ترك الموازنة في سياقها المالي، وعدم الدخول شخصيًا في ردود سياسية.
قبل كلمة جابر، وجّه النائب جورج عدوان السؤال الآتي: هل اتخذ القرار في مجلس الوزراء بالمواد التي أضيفت من قبل وزارة المال على الموازنة نعم أم لا؟ فقال رئيس مجلس النواب: “الرد يأتي لاحقًا في كلمة الحكومة”، بينما عقب النائب علي حسن خليل قائلًا: “عندما نصل لمواد الموازنة توجّه الأسئلة”.
أما رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، فسجّل في محضر الجلسة أنه “لم تتم إضافة أي مادة من تلك التي طرحت من قبل وزارة المال، وتقرير لجنة المال واضح بهذا الخصوص”.
سؤال عدوان كان مؤشرًا الى ما ستكون عليه النقاشات التي ستسبق التصويت على الموازنة وأن الأمور لن تمر بلا جدال، خصوصًا أن اجتماعات واتصالات عدة جرت ما بين الجلستين الصباحية والمسائية، وسط حديث عن رسائل سياسية توجّه من باب الموازنة، والهدف منها الضغط في اتجاه ملفات أخرى ستكون على طاولة مجلس الوزراء، من حصرية السلاح، مرورًا إلى المراسيم التطبيقية لقانون الانتخاب.
وفي انتظار اتضاح نهاية شد الحبال، وفي ردّ الحكومة، أشار الوزير جابر إلى انتقال إدارات مستأجرة تابعة للدولة إلى أبنية مملوكة من الدولة، كاشفًا إحالة 200 شركة من المتهربين من الضرائب إلى النيابة العامة المالية، لافتًا إلى زيادة الواردات 4 % من الناتج المحلي خلال سنة، “وهو مدار تقدير من المؤسسات الدولية”. وتطرّق جابر إلى وضع الـ “سكانرز” في المرافئ حيث كشف أنها تعالج 100 مستوعب في الساعة، بدل 40 في اليوم كما كان يحصل سابقًا.
أما في الحسابات المالية، فكشف أن المكننة الكاملة ستسمح بإنجاز أسرع لها، على أن يدققها ديوان المحاسبة. واعتبر أن قانون تمديد المهل سيسمح باستمرار سريان المادة 95 من موازنة 2024، التي تمنح الحكومة سنة لإنجاز الحسابات المالية.
أما بالنسبة إلى المواد المضافة من قبل وزارة المال، فأوضح جابر أنه “اقترحها بعض النواب، أو بعض الوزراء، كزيادة الرسوم على اللوحات المميزة، على سبيل المثال، لتعزيز الواردات”. وعندما قال النائب غسان حاصباني إن “هذه الخطوة تسيء إلى وضعنا على لائحة الـ Fatef”، أجاب جابر: “أنا سألت ومش صحيح هل كلام”.
وعن مطالب القطاع العام من عسكريين وموظفين وأساتذة، فلم يحصل النواب على جواب كاف من وزير المال في شأنها، وحصلت مداخلات عدة من نواب مستقلين ومن كتل مختلفة، بينما فضلت الحكومة عدم إدراج الموضوع في الموازنة، بل إعداد مشروع قانون في شأنه في وقت قريب وبحثها خلال شهر شباط. وعقب رئيس الحكومة بالقول:”إذا لم تقم الحكومة بذلك مع نهاية شباط حاسبونا”. وبعد اعتراض النواب، أكد جابر أن “المسألة بحاجة إلى دراسة وجداول، ونحن جاهزون، ولكن نطلب مهلة لمعرفة الكلفة وفق الأرقام والدراسات، ولن أسير بشيء اعتباطي”. وبينما كان المعتصمون قد وصلوا إلى أبواب مجلس النواب، وحصل هرج ومرج مع حرس المجلس، عاد رئيس الحكومة ليعلن إعداد مشروع القانون في مهلة أقصاها 15 شباط.
الجلسة الصباحية
في الجلسة الصباحية، كان ملف حصرية السلاح الحاضر الأبرز من خارج الموازنة. وقد سعى بري كما في الأيام السابقة إلى ضبط الإيقاع، والتدخل عند الحاجة لفكفكة ألغام التشنجات. لكن ذلك لم يحل دون أخذ وردّ على خلفية قرار الحرب والسلم.
فكلمة النائب علي فياض كادت أن تؤدي إلى “تفجير الجلسة” لولا حرص بري على ضبط الأوضاع، وقد تدخل أكثر من مرة في هذا الاتجاه. ففي مداخلته، اعتبر فياض “أن هناك اتجاهًا لنزع سلاح المقاومة يدفع في اتجاه التصادم الداخلي، ومقاربته خطيرة وصدامية. كما هناك اتجاهًا للسلطة يأخذ مسارًا تصاعديًا في الاستجابة للشروط الإسرائيلية والدولية، ليصعّد بقوله “إن ثلاثي وزير العدل ووزير الخارجية وحاكم مصرف لبنان يمارسون الخنق لبيئتنا ويتجاوزون القانون ما يوقد النار على المستوى الاجتماعي، ولا نعرف كيف سينفجر هذا الاحتقان”. وفي ذلك إشارة إلى المواقف السياسية للوزراء، وإجراءات وزير العدل بالنسبة إلى كتاب العدل، والإجراءات المرتبطة بحسابات مصرفية أو بالقرض الحسن، في ما يتعلّق بحاكم مصرف لبنان. وعندما ارتفع صوت فياض في الإشارة إلى أن هذا المسار قد يؤدي إلى حرب أهلية، ردّ النائب أشرف ريفي: “ما يهددونا بحرب أهلية، جَوّن رح يوصّل لهون، ومتل ما بقاتل نحنا كمان منقاتل”. لم يرد فياض، ولم يعقب أي من نواب كتلة “الوفاء للمقاومة”، بينما كان بري يطلب الهدوء “وخليني دير الجلسة متل ما لازم”.
ما حصل شكّل مؤشرًا إلى حال التصعيد المحتمل في أي وقت، إذا بقي التباعد قائمًا بين القرار الرسمي للدولة، وموقف “حزب الله”.
بعد هذا التشنج، تابعت الجلسة. وبينما كان النواب يتكلّمون على المنبر، كان الوزراء يتابعون شؤون وزاراتهم عبر الواتساب والبريد الإلكتروني. فيما جلس نواب إلى جانب وزراء لمتابعة بعض المطالب والحاجات.
النائب ندى البستاني التي شغلت حقيبة الطاقة سابقًا، انتقدت أداء وزارة الطاقة. النائب غسان عطالله الذي تسلّم وزارة المهجرين قبل سنوات انتقد أداء وزير المهجرين. النائب غسان حاصباني فند ملاحظاته على الموازنة، معترضًا على إحالتها من الحكومة من دون قطع حساب، كما اعترض على الاقتراحات التي وردت من وزير المال في اليوم الأخير للجنة المال والموازنة، معتبرًا ذلك مخالفة دستورية.
فردّ النائب إبراهيم كنعان بالقول: “دولة الرئيس، بعض الاعتراضات على تعديلات لجنة المال غير مفهومة لأن أسبابها غير موجودة. فالاقتراحات التي وردت من وزارة المال إلى لجنة المال ليست مخالفة للدستور، لأنها اقتراحات قد تبنّى بعضها عدد من الزملاء النواب. ولكن في ضوء وجهات النظر المختلفة، ارتأيت ترحيلها للبت فيها في الهيئة العامة، وهو ما ضمّنته تقريري النهائي عن موازنة 2026، وتمنيت على وزير المال طرحها في الهيئة العامة، إذا شاء”.
أخذ ورد حصل على أثر كلمة النائب الياس حنكش، عندما تطرّق إلى مسؤولية السلاح في الاغتيالات السابقة فردّ عليه بري بالقول “ليس سلاح المقاومة”. وعن كلام حنكش عن وجوب حصر السلاح غير الشرعي، قال بري: “بما فيه السلاح الإسرائيلي”.
رئيس الحكومة السابق سعد الحريري حضر في مداخلة النائب جهاد الصمد الذي وجّه إليه التحية “على الرغم من الخصومة السياسية”، معتبرًا أنه “بعد تهميش المسيحيين في مرحلة، وتهميش أهل السنة أخشى أن يتم التعامل مع الطائفة الشيعية كأنها طائفة مهزومة، وهو ما يهدد السلم الأهلي”.

