السلام على من حمل السلام…
السلام على رجل جاء من بعيد ليذكّر لبنان بهويته الحقيقية: بلدُ التعدد، بلدُ الحياة، بلدُ الإنسان.
كانت زيارة البابا أكثر من حدث روحي؛ كانت مرآة كشفت وجه لبنان الذي يعرف نفسه ويعتزّ به. لبنان الذي لا يقوم على لونٍ واحد، ولا على فكرٍ واحد، ولا على إلغاء أحد. لبنان الذي صيغ تاريخه من تنوّع مكوّناته، ومن حضور المسيحيين فيه حضورًا مؤسِسًا، ثقافيًا، حضاريًا، وسياسيًا… حضورٌ لا يمكن شطبه أو استبداله أو تحويله إلى تفصيل.
وفي زمن يحاول فيه البعض قولبة لبنان، وسلخه عن روحه، وجرّه ليكون تابعًا لدولة أخرى أو مشروعٍ آخر، مختلفاً تماماً عن اللبنانيين، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:
لبنان لا يمكن أن يكون لبنان إذا أُقصي جزءٌ من أهله.
لبنان يفقد هويته، حضارته، دوره، ورسالته حين يُمسّ بتوازنه الذي قام عليه منذ تأسيسه.
ومن يتوهّم أنّه قادر على صناعة بلدٍ أحاديّ الانتماء… عليه أن يدرك أنّه يلغي لبنان نفسه.
ما شهدناه خلال الزيارة كان مقاومة من نوع مختلف:
مقاومة محاولات طمس وجه لبنان،
مقاومة تحويله إلى نسخة باهتة تابعة،
مقاومة الانغلاق،
مقاومة ثقافة تريد أن تُطفئ ما جعله بلدًا فريدًا في هذه المنطقة.
فالمقاومة اليوم ليست صراعًا بالسلاح فقط، بل صراع على هوية بلد.
صراع بين مَن يريد لبنان منفتحًا، متصالحًا مع تعدديته، حاملًا رسالة سلام،
ومَن يريد دفعه نحو الانغلاق، نحو أحادية قاتلة، نحو تبعية تلغي تاريخه، ودوره، وفرادته.
لبنان الحقيقي الذي ظهر في استقبال البابا، في موسيقاه، ودبكته، ووجوه ناسه، هو لبنان الذي لا يعيش إلا بالتنوّع، ولا يستمرّ إلا بشراكة كل مكوّناته، بكل ما يمثّلونه من تاريخ ورقيّ وحضارة.
هذه هي المقاومة التي يحتاجها البلد اليوم:
أن نحمي وجهه، رسالته، وتكوينه…
وأن نقول لكل مشروع يريد تغيير طبيعته:
هذا لبنان… ولن يكون غير ذلك.

