القائمة

عشية الاستقلال… لبنان يعلن نهاية زمن الإنكار وبداية زمن الدولة

يشهد لبنان عشية عيد الاستقلال تبدّلاً كاملاً في المشهد السياسي، كأن البلاد انتقلت فجأة من مرحلة التصعيد الكلامي والتهويل والمزايدات على الدولة، إلى مرحلة بداية بناء فعلي لهوية الدولة وهيبتها. فبعد أسابيع من خطاب متوتر صادر عن الحزب، وتحذيرات بحرب لا محال قادمة من إسرائيل، وانزعاج دولي واضح تُرجم بما انبثق عن زيارة عدة وفود دولية الى لبنان وبإلغاء زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، بدا وكأن المجتمع الدولي يضغط على لبنان لوضع حدّ للانفلات السياسي والأمني الذي طبع المرحلة الماضية.

لكن الصورة تغيّرت مع خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون من جنوب الليطاني، من مكان يحمل رمزية المواجهة والسيادة معاً، ليعلن منه انتقال لبنان إلى مرحلة جديدة. في خطابه، طرح عون رؤية سياسية أمنية متكاملة عنوانها تسلّم الدولة مسؤولية الجنوب واستعادة القرار الوطني من خلال جاهزية الجيش لتسلّم النقاط المحتلة على الحدود، والالتزام بجدول زمني واضح لهذه العملية بالتنسيق مع اللجنة الخماسية، والاستعداد للتفاوض على وقف نهائي للاعتداءات بوساطة أممية أو أميركية أو مشتركة، بالتوازي مع آلية دعم دولية للجيش وإعادة الإعمار.

وهدف هذه المقاربة واحد: تكريس الدولة مرجعية وحيدة على كامل الأراضي اللبنانية، وسحب كل ما هو خارجها من سلاح وقرار. إلا أنّ البعد الأهم في خطاب الرئيس جاء في مقاربة الداخل اللبناني. للمرة الأولى يخرج رئيس جمهورية ليعترف بأننا أخطأنا في إدارة استقلالنا، وأننا اليوم أمام مهمة إعادة بنائه. أشار عون إلى حالتي إنكار متناقضتين تتحكمان بالحياة السياسية: الأولى عند من يتصرّف وكأن شيئاً لم يتغيّر في لبنان والمنطقة والعالم، وكأن في إمكانه الاستمرار بنمط سياسي مشوّه عمره أربعون عاماً، والثانية عند من يظن أن التحولات الأخيرة ألغت شريحة لبنانية كاملة من المعادلة الوطنية.

كلاهما في نظر الرئيس خطأ وخطر، لأن الدولة لا تُدار بوهم القوة ولا بوهم الإلغاء، بل بميزان المصلحة الوطنية وحدها. ومن الجنوب تحديداً، وجّه رسالة مباشرة بأن الزمن تغيّر، وأن اللبنانيين تعبوا من اللادولة ومن مشاريع الدويلات، وأنه لم يعد ممكناً الاستمرار في نظام ولاءات متناقض مع فكرة الدولة نفسها، وأن المطلوب اليوم إعادة بناء ثقافة الانتماء الوطني قبل أي شيء آخر، ومن ثم فتح باب حوار داخلي صريح تحت سقف الدولة لا سواها.

هذا الخطاب لم يأتِ معزولاً، بل سبقه تحرّك واضح لمؤسسات الدولة، من توقيف اخطر المطلوبين “نوح زعيتر” بالاضافة إلى خطوات قضائية في عدة ملفات حسّاسة، ما أعطى انطباعاً بأن هناك قراراً فعلياً باستعادة المبادرة. وقد ترافق ذلك مع إشارات دولية إيجابية، أبرزها الإعلان عن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدعوة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض، وهو ما يعكس استعداد الخارج للتعامل مع لبنان جديد شرط أن يستعيد دولته.

هكذا، يدخل لبنان عيد استقلاله هذا العام بوعد مختلف: بداية زمن تتقدّم فيه الدولة خطوة أولى نحو استعادة دورها، وربما نحو صياغة استقلال جديد، إذا ما استمرت الإرادة والعمل بالاتجاه نفسه.

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *