القائمة

الاعتراض على الاتفاق.. أم الاعتراض على تقدم الدولة؟

منذ الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، انطلقت ماكينة الممانعة السياسية والإعلامية في حملة منظمة هدفها واضح: إسقاط الاتفاق في الرأي العام قبل أن يدخل حيّز التنفيذ، عبر سيل من الاتهامات التي تتراوح بين “التطبيع المقنّع” و”التنازل عن الحقوق” و”إسقاط حق لبنان بملاحقة إسرائيل أمام المحاكم الدولية”.

لكن اللافت أن معظم هذه الحملات لا تناقش الوقائع بقدر ما تعيد إنتاج الخطاب نفسه الذي لطالما استخدمه محور الممانعة كلما طُرح أي مسار يعزز دور الدولة اللبنانية ويضع السلاح خارج معادلة القرار الوطني.

أكثر الحجج تداولاً في الأيام الأخيرة هي الادعاء بأن الاتفاق يمنع لبنان من مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية. وهي حجة تبدو للوهلة الأولى قانونية، لكنها في جوهرها سياسية أكثر منها قانونية.
فإذا كان هذا الفريق يعتبر القضاء والمحاكم الدولية المرجع الأعلى عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فكيف يمكن تجاهل موقفه التاريخي من المحكمة الخاصة بلبنان؟ يوم صدرت الأحكام بحق عناصر من حزب الله في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم يُنظر إلى القضاء الدولي بوصفه مرجعًا للعدالة، بل وُصف بأنه أداة سياسية ومؤامرة دولية، ورُفضت أحكامه بالكامل، ولم يُسلَّم أي من المحكومين، ولم يُعترف بشرعية المحكمة أساسًا.

أما اليوم، فيتحول فجأة القضاء الدولي إلى مرجعية مقدسة لا يجوز المساس بها، ويصبح أي اتفاق يُقال إنه قد يقيّد مسارًا قانونيًا مستقبليًا جريمة وطنية. هنا لا يعود النقاش قانونيًا، بل يصبح سؤالًا عن ثبات المعايير: هل المؤسسات الدولية موثوقة دائمًا، أم فقط عندما تخدم الخطاب السياسي للممانعة؟

ثم إن التجربة اللبنانية نفسها تدعو إلى شيء من الواقعية. فمنذ عقود، كم قرارًا دوليًا صدر بحق إسرائيل؟ وكم إدانة أممية صدرت؟ وكم منها أُجبر الإسرائيليون على تنفيذه؟ الإجابة يعرفها اللبنانيون جيدًا. فالقانون الدولي، مهما بلغت أهميته، يبقى رهينة موازين القوى والإرادة السياسية للدول الكبرى، لا مجرد نصوص قانونية.

لذلك، فإن تصوير الاتفاق على أنه تنازل عن “سلاح قانوني حاسم” يتجاهل أن هذا السلاح لم ينجح أصلًا في وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو إعادة الأراضي المحتلة أو حماية لبنان من الحروب المتكررة.
والأهم أن جوهر الاتفاق لا ينبغي أن يُختزل ببند قانوني يجري تضخيمه في الإعلام. فالمعيار الحقيقي لأي اتفاق هو: هل يعزز سيادة الدولة اللبنانية؟ وهل يمنح الجيش اللبناني دورًا أكبر في بسط سلطته؟ وهل يكرّس احتكار الدولة لقرار الأمن والسلم؟ أم يعيد إنتاج واقع الدويلة؟

المفارقة أن القوى التي تهاجم الاتفاق بحجة حماية السيادة، هي نفسها التي عطّلت قيام الدولة لسنوات عبر الإصرار على إبقاء قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية. واليوم، مع كل خطوة تعيد الاعتبار للدولة، يعود الخطاب نفسه: تخوين، وتخويف، وتحريض، قبل أي نقاش موضوعي.

يبقى أن أي اتفاق قابل للنقد والمراجعة إذا تضمّن ثغرات تمسّ الحقوق اللبنانية. لكن تحويل النقاش إلى حملة تعبئة قائمة على ازدواجية المعايير لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يكرّس الانقسام السياسي المعتاد.

في النهاية، يبقى السؤال الذي لم تجب عنه الممانعة حتى الآن: إذا كانت الدولة اللبنانية هي المرجعية الوحيدة التي يُفترض أن تتولى حماية لبنان والدفاع عن حقوقه، فلماذا يُنظر إلى كل خطوة تعزز دورها بوصفها تهديدًا، بينما يُطلب من اللبنانيين التسليم بأن بقاء القرار خارج الدولة هو الضمانة الوحيدة للسيادة؟

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *