روجيه نهرا
نداء الوطن
لم يكن الطبيب جيمس كرم مقاتلاً في ساحة حرب، ولم تكن تاودوسيا تحمل سوى كتبها وطموحاتها الجامعية، ولم يكن طوني سوى شاب يحلم بمستقبله. إنها مأساة عائلة، ووجع بلدة، وجرح وطن لن يندمل بسهولة. فالقليعة لم تفقد ثلاثة من أبنائها فحسب بعدما استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارتهم خلال عودتهم من بيروت إلى بلدتهم القليعة، بل فقدت قصة عائلة كانت تحلم بالحياة، فكتبت بدمائها صفحة جديدة من صفحات الصمود والألم والتضحية.
وخيّم حزن عميق على القليعة بعد الفاجعة وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي الذين عبّروا عن غضبهم من استمرار غياب الطرق الآمنة التي تربط منطقة مرجعيون بالعاصمة بيروت وبمدينتي النبطية وصيدا، في ظل المخاطر اليومية التي يواجهها المدنيون أثناء تنقلهم لقضاء شؤونهم الحياتية والتعليمية والطبية.
وأكد عدد من أبناء البلدة أن استهداف المدنيين على الطرقات يفاقم من معاناة السكان ويزيد من عزلتهم، مشددين على ضرورة تأمين ممرات آمنة تتيح للأهالي التنقل بعيداً من شبح الموت الذي يلاحقهم على الطرقات.
صرخة وجع أطلقها أقرباء الضحايا عبر “نداء الوطن”: “لم يكن همه سوى مستقبل ولديه، ولا سيما ابنته التي كانت تستعد لتقديم امتحاناتها في الجامعة اللبنانية – فرع الحدت. فالرجل الذي أمضى حياته ساعياً لتأمين حياة كريمة لعائلته وبناء مستقبل أفضل لأولاده، أصرّ على مرافقتهم إلى بيروت كي لا تضيع سنة دراسية أو يتبدد حلم طالما شجعهم على تحقيقه”.
شقيقة الضحية جميس نجوى كرم قالت : “منذ لحظة وقوع الفاجعة ونحن نعيش كأننا في كابوس. حتى الآن لا نستوعب ما الذي حصل، ولا نصدق أنهم رحلوا… خرج صباحاً كأي أب يحمل همّ أولاده ومستقبلهم، نزل إلى بيروت ليتمكّن ابنه وابنته من تقديم امتحاناتهما الجامعية، لأن كل ما كان يشغله في هذه الحياة هو أن يؤمّن لهما مستقبلاً أفضل وأن يراهما يحققان أحلامهما”.
وتابعت: “أخي لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن طرفاً في أي مواجهة. كان أباً يرافق ولديه في رحلة علم ومستقبل. وبعد أن أنهت ابنته امتحانها، عادوا إلى سيارتهم متجهين نحو منزلهم في القليعة. كانوا على بعد دقائق من الوصول، على مرمى حجر من البيت الذي كانوا ينتظرون دخوله، لكنهم لم يصلوا. استهدفتهم يد الغدر بدم بارد، فسقط الأب وولداه معاً. في لحظة واحدة انطفأت أحلام شاب وشابة كانا يرسمان مستقبلهما، وانكسر قلب عائلة”.
هادي ونا قال: “نحن أبناء هذه الأرض تعبنا من الموت والخسارات. تعبنا من أن نودّع أحباءنا ومن أن تتحول طرقاتنا وبيوتنا وحقولنا إلى ساحات للخوف والدمار. لا ذنب لهؤلاء الناس سوى أنهم أرادوا أن يعيشوا بكرامة في أرضهم. وأضاف:” نحن في منطقة دفعت أثماناً باهظة عبر العقود. تُركنا تحت الاحتلال خمسةً وعشرين عاماً، ومع ذلك لم نترك أرضنا ولم نتخلَّ عن بيوتنا. بقينا هنا، تمسكنا بجذورنا، وصمدنا رغم كل الظروف. وبعد التحرير، اعتقدنا أن زمن المعاناة قد انتهى، لكننا وجدنا أنفسنا أمام مآسٍ جديدة وخسائر جديدة.
اليوم نسأل الدولة قبل أي أحد آخر: أين هي مسؤوليتها تجاه أبنائها؟ أين هو الشعور بمعاناة الناس الذين يدفعون ثمن كل مواجهة وكل حرب؟ ألا يستحق أبناء هذه المنطقة أن يعيشوا بأمان، وأن يربّوا أولادهم، وأن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس والجامعات من دون خوف من أن يتحول طريق العودة إلى رحلة بلا عودة؟
الفاجعة الثانية التي ضربت أبناء القرى الحدودية، هي خسارة المنطقة وبلدة ديرميماس رئيس بلديتها سهيل أبو جمرا والذي عرفه أبناء بلدته مثالا للالتزام بالشأن العام والتفاني في خدمة الناس، ففي حادثة غريبة في البلدة، فقد أطلق الدركي فوزي بشارة من سلاحه الحربي النار مباشرة على رئيس البلدية، مما أدى إلى وفاته على الفور، كما أصيب مختار البلدة نقولا سليمان (أبو حبيب) إصابة بالغة في حادثة مؤلمة هزّت البلدة وأثارت مشاعر الحزن والأسى لدى كل من عرف الرجلين ودورهما الوطني والاجتماعي.
وودّع أهالي قرى مرجعيون رئيس بلدية دير ميماس سهيل أبو جمرة في مشهدٍ مهيب طغت عليه مشاعر الحزن والأسى واللوعة، بعد رحيله المأساوي الذي شكّل صدمة كبيرة لأبناء المنطقة. واحتشد أبناء القرى المسيحية في مرجعيون لاستقبال جثمان الراحل الذي كرّس نفسه لخدمة بلدته وأهلها، ولم يغادرها يوماً رغم الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة، بل بقي إلى جانب أبناء بلدته عاملا على تأمين احتياجاتهم ومتابعة شؤونهم حتى اللحظات الأخيرة.
ورأى كثيرون في رحيله خسارة كبيرة لا تقتصر على دير ميماس فحسب، بل تطال منطقة مرجعيون بأكملها التي فقدت شخصية بلدية واجتماعية تركت بصمة واضحة في حياة الناس، وستبقى ذكراه حاضرة في وجدان كل من عرفه وعمل معه.
وسيظل سقوط أبناء القليعة، كما رحيل رئيس بلدية دير ميماس، يحمل دلالة وطنية وإنسانية عميقة، لأن الضحايا هم أبناء منطقة شكّلت على الدوام نموذجًا للتضحية في سبيل الوطن. وسيبقى الجنوب، رغم الجراح والآلام، أرض الحياة والإرادة والصمود.

