من السذاجة السياسية، أو من التواطؤ الفكري، أن يخرج من يروّج اليوم لرواية “انتصار إيران” بعد شهر من حربٍ قاسية استنزفتها على مستويات لم تعهدها منذ عقود. فالحروب لا تُقاس بالشعارات، بل بالنتائج الملموسة، وبما تغيّر فعليًا في ميزان القوى، لا بما يُقال على الشاشات.
خلال هذا الشهر، لم تكن إيران في موقع الندّ الذي صمد، بل في موقع الدولة التي تلقت ضربات موجعة في عمق بنيتها العسكرية والأمنية. خسارة قيادات، ضرب مراكز حساسة، ضرب بنى تحتية، اختراقات أمنية كشفت هشاشة المنظومة، وشلل في القدرة على الرد المتوازن. هذه ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات واضحة على اختلال كبير في التوازن.
من يختصر المشهد بعبارة أميركا لم تهزم إيران يتجاهل السؤال الأهم: هل كانت الولايات المتحدة تسعى أصلًا إلى احتلال إيران أو إسقاط النظام عسكريًا؟ أم إلى تحقيق أهداف محددة بدقة؟
هنا تكمن العقدة التي يحاول البعض القفز فوقها. الولايات المتحدة لا تخوض حروبًا عبثية، بل عمليات محسوبة: ضرب قدرات، إعادة رسم قواعد الاشتباك، فرض شروط تفاوض جديدة وهذا ما تحقق. إيران لم تخرج من هذه المواجهة كما دخلتها. خرجت أضعف، دون قيادات، دون أذرع، أكثر حذرًا، وأقل قدرة على فرض إيقاعها.
أما وقف إطلاق النار الذي أُعلن، فليس نهاية حرب بقدر ما هو استراحة محارب لكن لمن؟
التجارب القريبة كفيلة بالإجابة. كم مرة شهدنا اتفاقات وقف إطلاق نار في غزة، لتعود المعارك بشكل أعنف عندما تنضج الظروف؟ السيناريو ليس جديدًا. التهدئة قد تكون مجرد مرحلة انتقالية، تُستكمل بعدها الضغوط، ولكن بأدوات مختلفة، وربما الغزو البري.
المفارقة أن من يعتبر هذا الاتفاق “انتصارًا لإيران” يتجاهل أن طهران وافقت عليه بعد أن دفعت كلفة باهظة، لا قبلها. المنتصر لا يُستنزف بهذا الشكل، ولا يُجبر على التهدئة تحت وطأة الخسائر.
في المقابل، أميركا خرجت بما تريده: فرضت إيقاع المواجهة، حدّدت سقفها، وجددت نهاية الحرب بتوقيتها، لم تُستدرج إلى حرب شاملة، ولم تستنزف قدراتها، بل استخدمت تفوقها النوعي لتحقيق أهداف مركزة، ثم انتقلت إلى مرحلة التفاوض من موقع أقوى.
وهنا بيت القصيد: المفاوضات التي ستبدأ الجمعة ليست بين طرفين متساويين، بل بين طرفٍ فرض الوقائع، وآخر يسعى لتخفيف خسائره.
من يريد أن يقنع الناس بأن إيران انتصرت، عليه أن يجيب ببساطة: كيف يكون المنتصر هو من خسر قادته، وتعرضت بنيته للاهتزاز، ووجد نفسه مضطرًا للقبول بوقف إطلاق نار؟
الحقيقة المرة للبعض أن ما حصل ليس هزيمة لأميركا، بل نموذج واضح عن كيفية إدارة القوة: ضرب، ضغط، ثم تفاوض من موقع تفوق.
أما إيران، فليست في موقع المنتصر بل في موقع من يحاول إعادة ترتيب أوراقه بعد ضربة قاسية، بانتظار ما ستفرضه المرحلة المقبلة.
-نعيم القصيفي

