القائمة

دبل في أسبوع الآلام بين جلجلة الحصار وصليب الصمود

طوني عطية
نداء الوطن

مع بداية أسبوع الآلام، تعيش القرى المسيحية في الشريط الحدودي أسابيع وأشهرًا من الصلب والعذابات. لو أراد السيد المسيح أن يختار طريق جلجلته هذا العام، لخطت قدماه فوق تراب تلك القرى والبلدات الموجوعة. وحده يفهم جراحاتها ويداويها، لأنها مثله تمامًا، تُعاقب وتُصلب بلا أي ذنب سوى أنها تجرّأت على أن تكون علامة سلام ورجاء في هذه البقعة النازفة والمحترقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الإضاءة على واقع مسيحيي الشريط الحدودي لا تنطلق من خلفية طائفية أو تمييزية، بل هي قراءة في صلب الهوية الوطنية. فهذه القرى التي لم ترهن انتماءها وثقافتها يومًا لمشاريع غير لبنانية، يمثل بقاؤها الجسر الذي سيضمن عودة بقية اللبنانيين حين تضع الحرب أوزارها وتصبح شروط السلام والاستقرار جاهزة. إذا إن صمود هذه القرى حاجة إنسانية واستراتيجية على حد سواء للدولة والجنوبيين.

لكن بعيدًا من الإطار العام والذي يمكن أن يطول لأسابيع أو شهورٍ، تعيش المنطقة شبه المحاصرة مأساة يومية، لا سيما في بلدة دبل التي أصبحت محاصرة بالكامل. حوالى 1760 نسمة باتوا معزولين، حتى التوجه نحو رميش بات شبه متعذر.

مارون ناصيف، عضو بلدية دبل والمربي في مدرستها، يتحدث بصلابة يغلفها الألم: “نحن اليوم كمن يغامر في مصير مجهول. مخزون الإيمان وحده لا ينضب، لكن مخزون الحياة يشارف على النفاد”. ويقول بقلق: “المواد الأساسية من حليب أطفال وحفاضات ومستلزمات طبية تتقلص بشكل مخيف، حتى أن المحروقات لا تكفينا لأكثر من أسبوع أو عشرة أيام. أما توفير المياه فيستعين الأهالي ببعضهم البعض، حيث يتقاسم أصحاب الآبار الخاصة مياههم مع جيرانهم في مشهدٍ يعكس أسمى صور التكافل. لعلّ الجانب المضيء الوحيد وسط عتمة الحرب هو هذا التكاتف المتجذر الذي لطالما ميز بلداتنا في أوقات الشدة”.

يتذكر ناصيف حرب تموز، “حينها وقعت البلدة أيضًا تحت الحصار، مع فارق واحد يكمن في أن حدة القصف المباشر الذي طال البلدة وقتها كانت أشد من اليوم. حينها انقطعنا كليًّا عن العالم، لم تكن وسائل التواصل متوافرة مثل هذا الزمن، لذلك نحن اليوم نسعى لإيصال صوتنا إلى كافة المرجعيات الروحية والرسمية”.

وبغصة تختصر عزة النفس: “نحن لم نعتد طلب الإغاثة، لكننا أمام تهديد إنساني حقيقي؛ مرضى بلا دواء، وإذا واجهتنا أي حالة مرضية طارئة كيف سننقلها إلى المستشفيات، وحتى الصليب الأحمر الدولي لم يجد إلى بلدتنا سبيلًا بعد. وقوات “اليونيفيل” شبه غائبة، نحاول التواصل مع الكتيبة الفرنسية لمساعدتنا في إيصال المساعدات الملحة والضرورية التي تحتاجها البلدة، لكن لا جواب حتى الآن”.

في الختام، يعرب ناصيف عن تقديره للاحتضان الإنساني واللبناني الذي “نلمسه عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي”، مؤكدًا أن هذا التضامن من مختلف المناطق يمثل عزاءً حقيقيًا لنا ويخفف من وطأة المعاناة. وإذ يُثمّن جهود المؤسسات الكنسية والمدنية التي تسخر إمكاناتها لتأمين المساعدات الغذائية والطبية، يشير إلى معضلة لوجستية قاسية؛ فالطريق من العمق اللبناني وصولًا إلى رميش ما زال سالكًا رغم صعوبته، إلا أن العائق الأكبر يكمن في استحالة إيصال تلك المساعدات من رميش إلى دبل بسبب الحصار.

منذ اندلاع الحرب في الثامن من تشرين الأول 2023، قدمت بلدة دبل خمسة شهداء من عائلة واحدة؛ ففي الإسناد الأول سقط سميح سعيد وزوجته هالة وابنهما فادي. ليتجدد الجرح قبل يومين بسقوط جورج سعيد وابنه إيلي. والمفارقة المؤلمة تكمن في أن سميح وجورج هما أبناء عمومة، جمعتهما صلة الدم في الحياة والشهادة. ولعل شعار التعزية الذي تناقله أبناء البلدة أمس: “فداك يا بلدي… فداك روحي وولدي”، يختصر حكاية وفاءٍ وتضحية وحبّ من أجل الأرض والوطن فقط.

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *