القائمة

رافضو الدولة.. خونة السيادة

في بيروت، لم تعد المعركة سياسية بين أطراف تختلف على إدارة البلاد، بل تحوّلت إلى صراع بين مفهومين: دولة تُحاول أن تقوم، ومنظومة سلاح ترفض أن تخضع لها. وفي قلب هذا الاشتباك، يقف نواف سلام، لا كشخص، بل كرمز لمحاولة إعادة الاعتبار إلى منطق الدولة.

الحملة التي يقودها حزب الله تحت عنوان “التخوين” ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر وقاحة. كل من يرفع سقف الدولة يُتهم بالعمالة، وكل من يطالب بحصرية السلاح يُصنَّف في خانة “الخضوع للخارج”. لكن السؤال البديهي الذي يتجنبه مطلقو هذه الاتهامات: من الذي يربط قراره العسكري والاستراتيجي بمحور إقليمي؟ ومن الذي أعلن مرارًا أنه جزء من مشروع يتجاوز حدود لبنان؟

رئيس الحكومة لم يأتِ بانقلاب، بل بقرار دستوري. شرعيته ليست مستمدة من فَصيل مسلّح، بل من المؤسسات. وعندما يتخذ قرارات وُصفت بالجريئة، فهو لا يفعل أكثر من إعادة تفعيل ما هو بديهي: أن الدولة وحدها تقرر، وأن الجيش وحده يحتكر السلاح، وأن السياسة تُدار في المؤسسات لا في المربعات الأمنية.

أما تحويل الشارع إلى أداة ضغط، فهو ليس تعبيرًا ديمقراطيًا بقدر ما هو محاولة لفرض ميزان قوى خارج الدولة. وهنا تكمن المفارقة: من يتهم الآخرين بالعمالة، هو نفسه من يرفض الخضوع الكامل لسيادة الدولة التي يُفترض أنه جزء منها. ومن يرفع لواء “السيادة”، يربط مصير البلاد بحسابات إقليمية لا علاقة للبنانيين بها.

إن أخطر ما في خطاب التخوين ليس فقط ظلمه، بل وظيفته: إسكات أي صوت معارض، ومنع أي محاولة لإعادة بناء الدولة. لكن هذه المعادلة لم تعد تمر كما في السابق. اللبنانيون اليوم أكثر وعيًا: السيادة لا تُجزّأ، والدولة لا تقوم بوجود سلطتين.

المواجهة اليوم ليست بين أشخاص، بل بين مشروعين. مشروع يريد لبنان دولة طبيعية، ومشروع يُصرّ على إبقائه ساحة. وفي هذه المواجهة، لا يمكن الوقوف في المنطقة الرمادية. إما دولة، أو لا دولة.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *