كشفت تطورات ميدانية جديدة عن قرار إسرائيلي بتدمير منهجي للقرى والبلدات اللبنانية الحدودية مع إسرائيل، في خطوة وصفها خبراء بأنها تتجاوز فكرة المنطقة العازلة المؤقتة إلى محاولة فرض احتلال فعلي أو شبه دائم لكامل المنطقة.
وبحسب التقديرات الرسمية اللبنانية، فإن عدد القرى والبلدات المهددة بالهدم، الواقعة على الخط الأزرق أو ضمن الشريط الحدودي الجنوبي، يتراوح بين 80 و122 قرية وبلدة.
أما القرى المباشرة على الحدود أو التي تقع على بعد كيلومترات قليلة، فيتراوح عددها بين 40 و60 قرية رئيسية، منها: الناقورة، وعلما الشعب، وكفركلا، ومارون الراس، وعيتا الشعب، والطيري، وياطر، ويارون، والمنصوري، وشبعا.
ومنذ أواخر فبراير الماضي، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء جماعية طالت أكثر من مئة قرية وبلدة جنوب الليطاني، ومناطق جنوب لبنان بشكل عام، محذرًا السكان من الاقتراب من مواقع حزب الله أو البقاء في منازلهم.
وشهدت الأيام الأخيرة تصاعدًا في وتيرة الغارات التي استهدفت جسورًا رئيسية، مثل: الخردلي، وطرفلسيه، والقنطرة في وادي الحجير، إلى جانب قطع طرق حيوية، مثل: الخيام – مرجعيون، ودبين – مرجعيون، مع تعطيل شبكات الاتصالات الخلوية، مما أحدث شللًا كاملًا في حركة التنقل والاتصال داخل المنطقة.
ويجمع الخبراء على أن قرار تل أبيب بهدم القرى الحدودية ليس مجرد رد عسكري تكتيكي، بل هو جزء من استراتيجية سياسية-أمنية أوسع تهدف إلى عزل منطقة الجنوب اللبناني وجنوب الليطاني جغرافيًّا وسكانيًّا، تمهيدًا لفرض واقع احتلالي دائم أو شبه دائم.
ويرى المحلل السياسي جبران طعمة أن إسرائيل تنفذ خطة فصل كامل لمنطقة جنوب لبنان، والبلدات والقرى الواقعة جنوب الليطاني، عبر تدمير البنية التحتية للحركة والإمداد، وإصدار أوامر إخلاء جماعية، تمهيدًا لإقامة نقاط عسكرية دائمة.
وأوضح المحلل طعمة، في حديثه لـ”إرم نيوز”، أن تدمير البنية التحتية يهدف إلى شل الإمداد اللوجستي لأي قوى موجودة في المنطقة، مما يسهل السيطرة العسكرية.
وحذر المحلل طعمة من أن الإجراءات الإسرائيلية ستؤدي إلى تغيير ديموغرافي طويل الأمد، مما يعقّد أي عودة للوضع السابق ويشعل توترات طائفية داخلية.
بدوره، يشير المحلل السياسي سلمان الطويل إلى أن إسرائيل تستلهم نموذج غزة، حيث يُستخدم الفراغ السكاني كورقة ضغط لفرض شروط أمنية دائمة في الجنوب اللبناني وجنوب الليطاني.
وأكد المحلل الطويل، في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن الإجراءات الإسرائيلية قد تؤدي إلى “تطهير ديموغرافي ناعم” يُضعف ارتباط حزب الله بقاعدته الشعبية في الجنوب.
وأشار المحلل الطويل إلى أن احتلال جنوب الليطاني أصبح ضرورة استراتيجية من وجهة النظر الإسرائيلية لمنع إعادة حزب الله بناء قدراته.
ويأتي التصعيد الإسرائيلي في توقيت حساس، بعد إعلان الرئيس اللبناني جوزيف عون موافقة الدولة على مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في تحول كبير عن الموقف اللبناني السابق.
وتسعى إسرائيل، من خلال تعزيز وجودها العسكري وتدمير البنية التحتية، إلى فرض شروطها المسبقة قبل الدخول في أي مفاوضات مباشرة مع لبنان، خاصة فيما يتعلق بنزع سلاح حزب الله في جنوب لبنان ومنطقة جنوب الليطاني، وإقامة منطقة أمنية دائمة تحت سيطرتها الفعلية.
في ضوء هذه المعطيات، يتجاوز قرار تل أبيب بهدم القرى الحدودية – الذي يطال عشرات القرى في الشريط الحدودي – كونه عمليات عسكرية تكتيكية، ليصبح خطوة سياسية-استراتيجية لفرض واقع احتلالي أو شبه احتلالي دائم للجنوب اللبناني، بما فيه جنوب الليطاني.
ويُشار إلى أن النهج الإسرائيلي في تدمير القرى والبلدات اللبنانية الحدودية قد يُعيد لبنان إلى مربع الصراع المفتوح، ويُشعل مقاومة شعبية جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا وكلفة من سابقاتها، مما يجعل مستقبل أي تسوية سياسية أكثر غموضًا وصعوبة.
-إرم نيوز

