القائمة

“الحزب” يحوّل لبنان إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة

طارق أبو زينب
نداء الوطن
بقرار مباشر من الحرس الثوري الإيراني، فتح “حزب اللّه” جبهة جديدة ضد إسرائيل تحت شعار الولاء للجمهورية الإسلامية والوفاء للمرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي. غير أن هذه الخطوة لم تقتصر على حدود المواجهة التقليدية في جنوب لبنان، بل جاءت ضمن صراع إقليمي متصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وفي ظلّ هذا التصعيد، يجد لبنان نفسه ساحة لصراع يتجاوز حدوده، فيما تبدو الدولة عاجزة عن فرض سيادتها أو نزع سلاح “الحزب”، بينما يتحمّل المدنيون الكلفة الكبرى لحرب لم يختاروها.

تحوّل نوعيّ في طبيعة المواجهة مع “حزب اللّه”

يعكس التصعيد العسكري الإسرائيلي تحوّلًا لافتًا في طبيعة المواجهة مع “حزب اللّه”. فبعد أن كانت الضربات تتركّز تقليديًا على مواقع “الحزب” في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، بدأت العمليات العسكرية تمتدّ تدريجيًا إلى مناطق واسعة داخل العاصمة وضواحيها، وصولًا إلى مدينة صيدا ومناطق أخرى في الجنوب، ما يوسّع رقعة الاستهداف ويضع مناطق جديدة تحت مرمى النيران.

وفي السياق نفسه، كشفت مصادر لبنانية مطّلعة لصحيفة “نداء الوطن” أنه بعد تفريغ الضاحية الجنوبية من قسم كبير من سكّانها، انتقل عدد من قيادات “حزب اللّه” وعناصره إلى أحياء سكنية مكتظة في بيروت ومحيطها، ما أدّى إلى تبدّل واضح في المشهد الأمني ودفع إسرائيل إلى توسيع نطاق استهدافها ليشمل مناطق إضافية. وتهدف هذه الاستراتيجية العسكرية إلى حرمان “الحزب” من أي ملاذ آمن، وتوجيه رسالة واضحة مفادها أن الانتقال إلى مناطق أخرى لن يوفر الحماية، في ظلّ اعتماد القوات الإسرائيلية بشكل متزايد على العمليات الأمنية والاستخبارية الدقيقة وعمليات الاغتيال التي تستهدف قيادات “حزب اللّه” وبعض الفصائل الإسلامية المرتبطة به.

تمهيد للعزل وفرض منطقة عازلة

في سياق توسيع عملياتها العسكرية، ركّزت إسرائيل على استهداف مواقع استراتيجية وبنى تحتية حيوية في جنوب لبنان. ومن أبرز هذه الأهداف جسر طيرفليه، أحد الجسور الأساسية التي تربط القرى الواقعة بين شمال وجنوب نهر الليطاني، إضافة إلى جسر الخردلي الذي يشكّل عقدة وصل رئيسية بين النبطية ومرجعيون، فضلًا عن جسر نهر الليطاني في قعقعية الجسر جنوبًا.

وقد أدّى استهداف هذه الجسور إلى شلّ حركة العبور بين ضفتي النهر وتعطيل التواصل الداخلي بين أقضية صور والزهراني والنبطية، إضافة إلى بلدات مرجعيون والعرقوب، ما أثار مخاوف متزايدة من تمهيد ميداني لمخطط ألمحت إليه إسرائيل سابقًا، يقوم على تنفيذ عملية برية عاجلة وفرض منطقة عازلة خالية من السكان جنوب نهر الليطاني.

ضوء أخضر أميركي لإسرائيل على الأراضي اللبنانية

وكشفت مصادر دبلوماسية أميركية لصحيفة “نداء الوطن” أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى الضوء الأخضر لبدء عمليات إسرائيلية نوعية داخل الأراضي اللبنانية، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام توسيع نطاقها تبعًا لتطوّرات الميدان، وحتى احتمال مشاركة قوات أميركية في مراحل لاحقة إذا اقتضت الظروف. وتشير المصادر إلى أن الهدف المشترك لكلّ من إسرائيل والولايات المتحدة يتمثل في نزع سلاح “حزب اللّه” والقضاء على ترسانته العسكرية، إضافة إلى فرض منطقة عازلة خالية من السكان في جنوب لبنان، يُراد لها أن تتحوّل لاحقًا إلى نطاق أمني واقتصادي يؤمّن حماية منصات استخراج النفط ويسهّل عبور الممرّ التجاري الذي يربط الهند بعدد من الدول العربية وصولًا إلى أوروبا.

وتضيف المصادر أن خيار مشاركة الجيش الأميركي في جنوب لبنان يبقى مطروحًا، ولا سيّما في ظلّ انتهاء المهلة التي حدّدتها واشنطن حتى الأول من كانون الثاني 2026 لنزع سلاح “حزب اللّه” على كامل الأراضي اللبنانية، استنادًا إلى تفاهمات وقف إطلاق النار لعام 2024. إلّا أن الدولة اللبنانية لم تنجح حتى الآن في تنفيذ هذا الالتزام، كما لم يلتزم “حزب اللّه” ببنود الاتفاق، ما أبقى الوضع مفتوحًا على مزيد من التصعيد والمخاطر التي تهدّد استقرار لبنان .

لبنان على حافة مواجهة شاملة

من الجنوب إلى بيروت، ومن صيدا إلى الجبل، تتسع رقعة الحرب لتتحوّل تدريجيًا إلى صراع شامل يهدّد الدولة اللبنانية بأكملها. مع استمرار الضربات وانتقال قيادات “حزب اللّه” إلى المناطق المدنية المكتظة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع بالغ الخطورة، فيما يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في صراع تتجاوز حساباته حدود البلاد. لبنان اليوم يقف على حافة مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم توازنات المنطقة، وتؤكد أن الحرب لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية، بل امتدّت إلى قلب المدن والأحياء السكنية، ما يجعل الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها ومهدّدة بشكل مباشر في سيادتها واستقرارها.

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *