في لبنان اليوم، إجراء الانتخابات النيابية تحت هذا الغبار الأمني والسياسي ليس مجرد مخاطرة، بل استهانة بحق اللبنانيين في المشاركة الحرة. الواقع على الأرض يفرض وقفة جدية: النازحون داخلياً وخارجياً، المدارس المحولة إلى ملاجئ، والفوضى اللوجستية تمنع أي عملية انتخابية عادلة، وتجعل أي تصويت سريع مجرد تمثيلية صورية بلا مضمون.
التأجيل ليس تراجعاً عن الديمقراطية، بل حماية لها. قبل أن نمنح اللبنانيين حقهم في التصويت، يجب أولاً أن تُسحب أي أدوات ضغط خارج إطار الدولة، وأن تُزال كل العوائق التي تحول دون المشاركة الفعلية. الانتخابات في ظل النفوذ العسكري أو الاقتصادي لأي جهة مسلحة، وخصوصاً حزب الله، لن تكون حرة، ولن تعكس إرادة الناس.
الأمر لا يقتصر على الحرب الحالية فقط، بل يمتد لما بعد توقفها. حتى بعد انتهاء المعارك، يجب أن تتوافر ضمانات أمنية وسياسية واضحة، تُعيد الدولة لسيادتها، وتؤمن لكل لبناني فرصة متساوية في الاختيار. نظام اقتراع مرن يتيح للنازحين التصويت قرب أماكن إقامتهم، وتمكين المغتربين من التعبير عن صوتهم الكامل، هو جزء من هذه المعادلة الضرورية لضمان مصداقية العملية.
في النهاية، التأجيل مسؤولية وطنية. إنه القرار الذي يحمي الديمقراطية من الانحدار، ويضع مصلحة اللبنانيين فوق أي حسابات سياسية ضيقة. أي انتخابات تُفرض قبل تهيئة الظروف الحقيقية ستكون فخاً، وستجعل اللبنانيين ضحايا وهم الديمقراطية. لبنان لا يحتاج للسرعة، بل يحتاج للحكمة والشروط الواقعية التي تحمي حقه في أن يكون له صوت حقيقي في صنع مستقبله.
-نعيم القصيفي

