داود رمال
نداء الوطن
كشفت معلومات دبلوماسية خاصة بـ”نداء الوطن” أن التحرّك البرّي الإسرائيلي المرتقب لن يكون عملية محدودة الأهداف كما يُسوَّق له، بل خطوة مدروسة ضمن تصور عملياتي أوسع يرمي إلى إعادة رسم التوازنات الميدانية في جنوب لبنان وشرقه دفعة واحدة. ووفق هذه المعلومات، فإنّ تقدمًا بريًا بعمق يصل إلى نحو 15 كيلومترًا، يشمل مدينة صور وقضاءها وصولًا إلى خط القاسمية، سيتزامن مع تحرك آخر ينطلق من سفوح جبل الشيخ نزولًا باتجاه البقاع الغربي وراشيا، في عملية متوازية الهدف منها إحداث فصل جغرافي وميداني بين الجنوب والبقاع. تشير المعطيات الدبلوماسية إلى أنّ الغاية الاستراتيجية تتجاوز الضغط العسكري المباشر على «حزب الله»، لتصل إلى محاولة التحكم بكامل الكتل البرية المفصلية الممتدة من جنوب الليطاني حتى خط المصنع على الحدود اللبنانية – السورية، بما يعني عمليًا قطع خطوط الإمداد الداخلية وعزل بيئة «الحزب» جغرافيًا، تمهيدًا لفرض وقائع تفاوضية بمضون استسلامي جديدة. ففصل البقاع عن الجنوب لا يُقرأ إلا في إطار استرتيجي لمحاولة إعادة تشكيل الخريطة العملياتية للبنان بما يضع ثقلاً ميدانيًا ضاغطًا على الداخل السياسي.
غير أنّ التطوّر الأخطر، بحسب المعلومات نفسها، يتمثل في الحشودات السورية غير المسبوقة على طول الحدود مع لبنان، حيث تم رصد استقدام راجمات صواريخ ومدفعية ثقيلة، إضافة إلى عديد يُقدَّر بأكثر من أربعين ألف عنصر. وتؤكد الأوساط الدبلوماسية أن هذه القوات قد تتدخل تحت أي ذريعة، انطلاقًا من هدفين: الأوّل، انسجامًا مع تحالفات إقليمية وضغط أميركي يسعى إلى إعادة ترتيب المشهد الحدودي ومنع أي تمدد غير منضبط للصراع؛ والثاني، بدافع تصفية حسابات مع «حزب الله» وبيئته على خلفية مشاركته في الحرب السورية، في ظل اعتبار القيادة السورية الحالية أن خصمَيها المركزيين هما «الحزب» وتنظيم «داعش».
وتفيد المعلومات بأن اتصالات لبنانية مباشرة أُجريت مع الجانب السوري للاستفسار عن خلفية هذا التحشيد، فجاء الرد بأنه إجراء احترازي لمنع انتقال مقاتلي «الحزب» إلى الأراضي السورية تحت وطأة الضغط الإسرائيلي المتوقع في البقاع. إلا أن هذا التبرير لم يقنع الجانب اللبناني، الذي رأى فيه مؤشرًا إلى احتمال فتح جبهة شرقية – شمالية موازية، بما يحول لبنان إلى ساحة إطباق متكامل من الجنوب والشرق.
عملياً، تشير القراءة الميدانية إلى أن الحصار البحري قائم عبر انتشار البوارج الحربية الإسرائيلية قبالة الساحل اللبناني، فيما الإطباق الجوي مستمر من خلال السيطرة الكاملة على المجال الجوي، ومع أي تقدم بري متزامن من الجنوب والشرق والشمال، يصبح المشهد أقرب إلى كماشة مكتملة الأضلاع.
أمام هذا السيناريو، تبرز أسئلة مصيرية حول موقف الدولة اللبنانية. فإذا تحركت الجبهة الشرقية – الشمالية، هل يُطلب من الجيش اللبناني التصدي لأي توغل ومنع حصول مجازر في بلدات وقرى يغلب عليها الطابع الشيعي؟ وإذا كان أي تدخل سوري يجري بغطاء أو قرار أميركي، فهل يجد الجيش نفسه في مواجهة تقاطع إقليمي – دولي معقد؟ وما هو موقف الحكومة اللبنانية من احتمال تحوّل الحدود الشرقية إلى ساحة اشتباك مباشر؟
في ضوء هذه المعطيات، تُقرأ كثافة الاتصالات واللقاءات الدبلوماسية التي يجريها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في الداخل والخارج، بوصفها محاولة استباقية لتفادي المحظور ومنع انزلاق لبنان إلى مواجهة متعددة الجبهات وغير مسبوقة في تاريخه الحديث. فالبلاد تقف، وفق التقديرات الدبلوماسية، على حافة مرحلة قد تعيد تعريف حدودها الميدانية والسياسية معًا، في لحظة إقليمية شديدة السيولة، حيث يتداخل العسكري بالسياسي، والانتقامي بالاستراتيجي، في معادلة مفتوحة على كل الاحتمالات.

